تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
نبيل فهمى أمينًا على الجامعة العربية
أثار قرار المجلس الوزارى الأخير للجامعة العربية باختيار السيد نبيل فهمى أمينًا عامًا للجامعة العربية خلفًا لأمينها القدير السيد أحمد أبو الغيط ارتياحًا واسعًا فى الأوساط المصرية والعربية، فمن يؤتمن على مسيرة الجامعة فى هذه الظروف بالغة الصعوبة خير من هذا الدبلوماسى المصرى البارع الذى شغل أهم المواقع الدبلوماسية وصولًا إلى تولى الوزارة فى توقيت بالغ الحساسية والصعوبة، فترك فى كل موقع شغله بصمته الواضحة الواثقة، وعُرِف برزانته وموضوعيته وعلاقاته المتوازنة، ناهيك بالبعد الأكاديمى البارز فى مسيرته، حيث تولى منصب عميد كلية الشئون الدولية والسياسات العامة بالجامعة الأمريكية فى القاهرة لسنوات عديدة، وله عدد من المؤلفات التى عكست خبراته العملية المهمة، فضلًا عن مقالاته وحواراته الرصينة فى كبريات الصحف المصرية والعربية والأجنبية فى أهم القضايا العربية والإقليمية والعالمية، غير أن الاحتفاء العام بتولى السيد نبيل فهمى منصب الأمين العام للجامعة يجب ألا يصرفنا عن التحديات الجسيمة التى تواجهها، وتنطوى على مخاطر حقيقية على فاعليتها ومستقبلها على نحو يقتضى من جميع المؤمنين بالرابطة العربية التكاتف وتقديم المساعدة بالفكر والعمل من أجل ضمان استمرار الجامعة وفعالية دورها. وأول التحديات التى أتصور أن يتصدى لها الأمين العام الجديد هو الدفاع عن وجود الجامعة ذاته، ذلك أنه نتيجة العجز الواضح عن تحقيق الأهداف العربية فى عدد من القضايا الرئيسية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، درج خصوم العمل العربى المشترك على الترويج لفكرة عدم جدوى الجامعة والحاجة إليها أصلًا، والواقع أنه من الضرورى تفنيد هذه الفكرة، فعجز المنظمات الدولية التى لا تتمتع بسلطة فوق سلطة حكومات الدول الأعضاء فيها ظاهرة عامة لا تخص الجامعة العربية وحدها، وإلا فلنراجع أداء الأمم المتحدة ذاتها، ودورها فى قضايا السلم والأمن العالميين، بما فى ذلك عجز مجلس الأمن عن حل أى قضية مصيرية فى هذا الصدد، كالاحتلال الإسرائيلى للأراضى الفلسطينية والعربية والحرب فى أوكرانيا وهلم جرا، والسبب كما يعرف الجميع هو بنية المجلس ذاته التى لا تمكنه من إصدار أى قرار إلا بالموافقة الإجماعية للدول الخمس الدائمة العضوية، ونظرًا لتضارب مصالحها فمن النادر أن يتحقق الاتفاق بينها، وحتى عندما ينجح المجلس فى إصدار قرار فإنه لا يتمكن من تنفيذه، كحال القرار 242 الذى كادت ستة عقود تنقضى على إصداره دون أن يكتمل تنفيذه، وحتى ما نُفذ منه على الجبهة المصرية يعود الفضل فيه لحرب أكتوبر والدبلوماسية المصرية، ومع ذلك فإن أحدًا لا يطالب بإنهاء وجود الأمم المتحدة، على الأقل لأنها تنجح فى تحقيق توافق أحيانًا فى بعض القضايا، كما تحقق إنجازات أخرى فى الميادين غير السياسية، وينطبق الأمر نفسه على الجامعة العربية التى تعانى عدم التوافق بين أعضائها فى قضايا مهمة، لكن المهم أنه عندما تحقق هذا التوافق تمكنت الجامعة من أن تكون الآلية التى تم من خلالها التصدى الناجح لتحديات جسيمة، كما حدث فى مطلع ستينيات القرن الماضى بالنسبة للمطالبة العراقية بالكويت، وكذلك لتداعيات هزيمة 1967 وصولًا إلى المعادلة غير المسبوقة للأمن العربى فى حرب أكتوبر 1973، ويجب أن تكون هذه الحقائق واضحة أمام الرأى العام العربى ونخبه السياسية والثقافية حتى لا ينزلق أحد للمناداة بالخلاص من الجامعة العربية بدعوى عدم جدواها، لأن المشكلة ليست فى الجامعة، وإنما فى طبيعة العلاقات بين أعضائها. ومع ذلك قد يبدو هذا التحدى هينًا إذا قورن بغيره من التحديات، فسوف يواجه السيد نبيل فهمى حالة انقسام فعلى فى ثلاث دول عربية على الأقل، ناهيك بدرجة تنذر بالخطر من عدم الاستقرار فى ثلاث أخرى، فضلًا عن الانقسام الفلسطينى المزمن الذى يُعد فى تقديرى السبب الرئيسى لعدم تحقيق تقدم على طريق استعادة الحقوق الفلسطينية، ولقد نأت الجامعة بنفسها عادة عن التدخل لتسوية الصراعات الداخلية، واكتفت على أحسن الظروف بالاعتراف بأحد الأطراف المتصارعة، بينما يتطلب تحقيق الاستقرار والحفاظ على السلامة الإقليمية لهذه الدول نهجًا أكثر شمولًا يحاول التوصل لتسويات مرضية فى إطار المطالب المشروعة لأطراف الصراعات، والتصدى للتدخلات الخارجية المغرضة فيها، وعلى الصعيد العربى لا يستطيع أحد إنكار غياب الرؤية المشتركة فى قضايا عربية محورية بما فى ذلك القضية الفلسطينية التى توصف بأنها قضية العرب الأولى، وهو وضع لابد من تجاوزه، وأحسب أن خبرة الأمين العام الجديد وموضوعيته، وكذلك افتضاح النوايا الإسرائيلية بما لا يترك مجالًا لشك تمثل كلها عوامل مساعدة على الخروج من هذا المأزق، كذلك مازالت هناك خلافات عربية بينية تؤثر بالسلب على قدرة النظام العربى على مواجهة التحديات، كما هو الحال على سبيل المثال فى الخلاف المغربي-الجزائرى وغيره من الخلافات، ومرة أخرى فقد درجت الممارسات على تفادى التصدى لهذه القضايا الشائكة، وأحسب أن الوقت قد حان لتغيير هذا النهج، واعتماد نهج بديل يتصدى بكل الحكمة والرَوِيَّة لهذه الخلافات، ولنُفَعِّل فى هذا الصدد مجلس السلم والأمن العربى، وبالذات هيئة الحكماء فى المجلس التى لم يتم تفعيلها أبدًا، أما علاقات العرب الإقليمية فسوف تمثل إحدى المهام فائقة الصعوبة أمام الأمين العام الجديد، ومع كل الترحيب بالتطورات الإيجابية فى العلاقات العربية بقوى إقليمية مهمة كتركيا وباكستان فإن التدمير الذى أصاب العلاقات العربية - الإيرانية بفعل الحرب الجارية يجب أن يمثل هاجسًا لنا، ويبقى البحث عن الصيغة المثلى لمعادلة تحقيق الأمن العربى وعلاقة ذلك بالموقف إزاء القوى الكبرى والعظمى قضية رئيسية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. أعان الله أميننا العام الجديد وسدد خطاه، ولتمتد له كل الأيدى العربية المخلصة أفرادًا ومراكز بحثية وقوى مجتمع مدنى من أجل مستقبل عربى أفضل.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية