تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
ثلاث ملاحظات على مجلس السلام
منذ أن أعلن ترامب عن نيته إنشاء مجلس للسلام فى غزة برئاسته، وقُنن هذا المجلس فى قرار مجلس الأمن 2803، دار جدل واسع حول المجلس ومهمته وطبيعته، وزاد الجدل بعد أن نشرت CNN النص الكامل لميثاق المجلس، وهو النص الذى يعتمد عليه التحليل الحالى، وكنت سأستهله بتحفظ حول صحة النص ودقته نظرًا لغرابته، لولا أننى وجدت وسائل إعلام عديدة تنطلق منه فى تحليلاتها، ومن خلال قراءة هذا النص أطرح هنا ثلاث ملاحظات عن تكييف المجلس القانونى، وما إذا كان يمثل تنظيمًا موازيًا أو بديلًا محتملًا للأمم المتحدة، والطابع الفردى المطلق للسلطة فيه.
وفى الملاحظة الأولى عن التكييف القانونى للمجلس أبدأ بالقول إننى لست متخصصًا فى القانون والتنظيم الدولى إلا أن ملاحظتى تنصب على نفى الصلة بين «مجلس السلام» بموجب النص المعلن وبين قرار مجلس الأمن 2803، فالقرار يرحب فى ديباجته «بإنشاء مجلس السلام بصفته إدارة انتقالية ذات شخصية قانونية دولية تضطلع بوضع الإطار وتنسيق التمويل لإعادة تطوير غزة وفقًا للخطة الشاملة، وبما يتفق مع مبادئ القانون الدولى ذات الصلة، وذلك إلى أن تُتِم السلطة الفلسطينية برنامج إصلاحها على نحو مُرْضٍ كما ورد فى مقترحات مختلفة، بما فيها خطة السلام للرئيس ترامب لعام 2020 (وليس 2025) والمقترح السعودى-الفرنسى، وبما يمكنها من استعادة السيطرة على غزة بشكل آمن وفعال»، أى أن «مجلس السلام» وفقًا للقرار 2803 متعلق بغزة حصرًا، بينما هو فى النص المُعْلَن لميثاقه منظمة دولية «تسعى إلى تعزيز الاستقرار وإعادة إرساء الحكم الرشيد والقانونى، وضمان السلام الدائم فى المناطق المتضررة أو المهددة بالنزاعات»، وثمة دليل آخر على أن قرار مجلس الأمن 2803 لا يمثل أساسًا قانونيًا لمجلس ترامب للسلام، وهو ما يتعلق بانتهاء المجلس، إذ إنه بموجب الاقتباس السابق من ديباجة القرار، ولأن «مجلس السلام» فيه خاص بغزة حصرًا، فإن المجلس ينتهى بإتمام السلطة الفلسطينية برنامج إصلاحها بما يمكنها «من استعادة السيطرة على غزة بشكل آمن وفعال»، أما النص المُعْلَن لميثاق المجلس فإنه ينتهى بإرادة الرئيس ترامب، أو كما تنص المادة 10/2 (الفصل 9) «يُحَل مجلس السلام فى الوقت الذى يراه الرئيس ضروريًا أو مناسبًا، أو فى نهاية كل سنة فردية، ما لم يجدده الرئيس فى موعد أقصاه 21 نوفمبر من تلك السنة الفردية»، وهو ما يؤكد أن مهمة المجلس غير محصورة بغزة.
أما الملاحظة الثانية فتتعلق بالجدل الذى يرتبط موضوعيًا بالملاحظة السابقة، ذلك أنه إذا كان الميثاق المُعْلَن للمجلس قد تجاوز اختصاصه بموجب القرار 2803، واستخدم مصطلح «منظمة دولية» لوصف المجلس، فهل يُمْكِن القول إنه يشكل بديلًا أو منظمة موازية للأمم المتحدة؟ والواقع أن النص المُعْلَن للميثاق يعطى أساسًا لا لبس فيه لافتراض كهذا، فديباجة الميثاق تبدأ بتسجيل فشل المناهج والمؤسسات القائمة فى تحقيق السلام الذى يتطلب «حكمة عملية وحلولًا منطقية»، وشجاعة «للتخلى» عن «المناهج والمؤسسات التى فشلت مرارًا وتكرارًا»، ثم تؤكد الديباجة «على الحاجة لهيئة دولية أكثر مرونة وفاعلية لبناء السلام، ثم تصف المادة 2 مهمة المجلس بأنه يسعى إلى «تعزيز الاستقرار وإعادة إرساء الحكم الرشيد والقانونى، وضمان السلام الدائم فى المناطق المتضررة أو المهددة بالنزاعات»، كما يتولى مهام بناء السلام، ومن الواضح من التلميحات إلى فشل المؤسسات القائمة والمناهج التى اتبعتها، وإعطاء المجلس مسئوليات تتداخل صراحة مع اختصاصات الأمم المتحدة أن «مجلس السلام» يمثل على أقل تقدير منظمة موازية للأمم المتحدة، ومن المثير ملاحظة أن الدول الأربع دائمة العضوية فى مجلس الأمن غير الولايات المتحدة قد امتنعت عن الانضمام للمجلس، وهو تصرف منطقى، فما الذى يدفعها للانضمام لمجلس يتمتع فيه ترامب بسلطة مطلقة كما سنرى فى الملاحظة الثالثة، بينما هى تتمتع بوضع كامل المساواة مع الولايات المتحدة فى مجلس الأمن؟ وهو تساؤل ينقلنا للملاحظة الثالثة.
وتتعلق هذه الملاحظة بالسلطة الفردية المطلقة لترامب فى المجلس، فعضويته تقتصر على الدول التى يدعوها، وتجديد مدة العضوية المحددة بـ3 سنوات بيده، بل إنه يمكن للرئيس إقالة أى عضو، وإن كانت هذه الحالة هى الوحيدة التى يوجد فيها تقييد لسلطته مفاده أن ثلثى الأعضاء (الذين اختارهم بنفسه) يمكنهم أن ينقضوا قرار الإقالة، وفيما عدا هذا القيد الهين يحدد الرئيس أماكن الاجتماعات وتوقيتاتها، ولابد من موافقته على جدول الأعمال الذى يحدده المجلس التنفيذى، والقرارات تُتَّخَذ بالأغلبية مع مراعاة موافقة الرئيس، ودونالد ترامب (باسمه وليس بصفته رئيسًا للولايات المتحدة) هو الرئيس الافتتاحى للمجلس، وهو يتمتع بموجب الميثاق بسلطة حصرية لإنشاء أو تعديل أو حل الكيانات التابعة للمجلس حسبما تقتضيه الضرورة لتحقيق مهمة المجلس، ويُعَين الرئيس خلفًا له، ولا يجوز استبدال الرئيس إلا فى حالة الاستقالة الطوعية أو العجز وفقًا لما يقرره المجلس التنفيذى (الذى يختاره الرئيس)، ومدة العضوية فيه سنتان، ويجوز للرئيس عزلهم وتجديد عضويتهم وفق تقديره، وهو الذى يرشح رئيس المجلس، ويتخذ المجلس قراراته بالأغلبية، مع احتفاظ الرئيس بحق نقضها فى أى وقت، وأى تعديلات فى الميثاق لابد من تصديق الرئيس عليها، وأخيرًا فإن حل المجلس مرهون بإرادة الرئيس، فهو يحل المجلس فى الوقت الذى يراه ضروريًا أو مناسبًا، أو فى نهاية كل سنة فردية كما سبقت الإشارة، وفى حدود علمى فإن هذه أول منظمة دولية تكون من حيث ميلادها وعضويتها ومهمتها وقراراتها وانتهائها رهنًا على نحو مطلق بفرد واحد، ولذلك فإن السؤال يثور على الفور: كيف يكون أداء المجلس فى ظل ما نشهده حاليًا من سياسات لترامب؟ وماذا بعد ترامب الذى بقيت له ثلاث سنوات فى السلطة؟ بل وما مصير المجلس حال تغير مزاج الرئيس؟.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية