تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

أولويات الدولة والمواطن

في ظل صراعات جيوسياسية دراماتيكية بين اللاعبين الكبار على المسرح العالمي، تصبح مسارات الدول المحورية -مثل مصر- حساسة وحرجة، وتحركاتها محفوفة بالمخاطر؛ خاصة عندما تكون في منطقة شديدة الاضطراب، وجوارٍ يعيش صراعات وحروباً طاحنة.

إن الصمود في مثل هذه الظروف والتهديدات العسكرية والأمنية ليس خياراً سهلاً، والنجاح فيه مرهون بمدى التمكن من مفردات القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية.

والمتابع للتحركات المصرية يلحظ -بما لا يدع مجالاً للشك- أنها تعكس إدراكاً عميقاً من القيادة السياسية للمشهد العالمي؛ فهذه التحركات ليست عشوائية أو عاطفية، ولكنها متنوعة بانتقاء، وتعكس مواقف قوية غير متأرجحة وبعيدة عن الانفعال.

تمثل هذه التحركات نموذجاً متكاملاً لرؤية تعكس قوة دولة محورية قادرة على مواجهة التحديات الإقليمية، وتحقيق الاستقرار والتنمية معاً.

إن النجاح الذي حققته الدولة المصرية على الساحة العالمية لم يكن ليتحقق دون إصلاح اقتصادي جذري؛ فالسياسة والاقتصاد وجهان لعملة واحدة، وتعزيز مكانة مصر على الخريطة العالمية استلزم إنفاقاً كبيراً على الأمن والبنية التحتية الاستراتيجية والالتزامات الدولية، علاوة على سياسات لازمة لطمأنة المستثمرين والمؤسسات الدولية، من خلال قرارات اقتصادية حادة تحمل المواطن تبعاتها بثبات وصبر.

لقد كانت المشروعات الكبرى ضرورية لدعم صورة الدولة وقدرتها داخلياً وخارجياً؛ فدولة بحجم مصر تستحق احتراماً دولياً، وأن تكون لاعباً إقليمياً مؤثراً، ولا يمكن أن تظل ببنية أساسية متهالكة أو عاصمة قديمة مزدحمة.

إن مشروعات الطرق والنقل، والعاصمة الإدارية، والقطار الكهربائي، وكذلك الإسكان الاجتماعي، ومبادرة "حياة كريمة"، والقضاء على العشوائيات، بعثت رسالة واضحة بأن الدولة قادرة، متماسكة، وتخطط لعقود قادمة.

إن أولويات الدولة في أحيان كثيرة قد لا تتفق مع أولويات المواطن؛ فإدارة الدول تستهدف الحاضر والمستقبل معاً، بينما هدف المواطن غالباً هو "الحاضر" بالمقام الأول. ومن السهل أن تعيد الدولة ترتيب أولوياتها بما يتفق وأولويات المواطن، مثلما حدث على مدار عقود ماضية تراجع خلالها دور مصر القيادي للقارة الإفريقية والمنطقة العربية، وتجرأت بعض الميليشيات والدول على تحديها ومحاولة الإضرار بها.

ما يتحمله المواطنون من معاناة اقتصادية لا يمكن إنكاره، ولكن الإصلاحات الاقتصادية التي صاحبتها هذه المعاناة كانت ضرورة تزامنت مع حتمية ترسيخ مكانة الدولة القوية التي تحافظ على استقلال قراراتها في هذه المرحلة الحرجة.

وأظن أن الفترة القادمة ستشهد قرارات تخفف عن المواطنين عناء اليوم قبل الغد؛ مثل الإعفاءات الضريبية على دخول العاملين، وربط أية إجراءات جديدة في الإصلاح الاقتصادي بحزم حماية اجتماعية ملموسة؛ لأن مصر القوية الآن قادرة على فعل ذلك.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية