تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

هل تنسحب أمريكا من الناتو؟

هدد الرئيس ترامب لأول مرة بشكل صريح وواضح بانسحاب أمريكا من حلف الناتو بسبب امتعاضه من عدم مشاركة دول الحلف فى الحرب الحالية التى تشنها أمريكا وإسرائيل على إيران ورفضها تقديم أى تسهيلات لوجيستية مثل السماح باستخدام القواعد الأمريكية فى تلك الدول للأعمال العسكرية الحالية. لكن السؤال هل يمكن أن تنسحب أمريكا بالفعل من الحلف أم ذلك يأتى فى إطار التوترات والضغوط التى يمارسها ترامب على دول الحلف؟.

 

الواقع أن تهديدات ترامب بالانسحاب من الناتو تكشف عمق الأزمة والشروخ الكبيرة فى العلاقة بين أمريكا والحلف وهى ليست وليدة الحرب على إيران بل بدأت ملامحها فى ولاية ترامب الأولى (2017-2021) عندما وصف ترامب الحلف بالعجوز وعديم الفائدة ومارس ضغوطًا شديدة على دوله لزيادة الإنفاق العسكرى إلى 2% وبرر ذلك بأن أمريكا تتحمل العبء الأكبر فى ميزانية الحلف وأن على الدول الأخرى تقاسم الأعباء وزيادة انفاقها العسكرى.

ونجح ترامب فى سياسة الضغط واستجابت العديد من دول الحلف وقامت بزيادة إنفاقها العسكرى بينما تحفظت بعض الدول الأخرى. وفى ولايته الثانية الحالية تزايدت الأزمة بين أمريكا والحلف وذلك على خلفية الحرب الروسية ـ الاوكرانية حيث تراجع عن دعم ترامب أوكرانيا عسكريا بشكل مباشر ودفع الأوروبيين لتحمل تكلفة ذلك الدعم حيث تقوم أمريكا ببيع الأسلحة الحديثة لدول الناتو التى تقوم بدورها بتزويدها لأوكرانيا وذلك فى إطار عقيدة ترامب كرجل اقتصاد بتقليل التكلفة الأمريكية،

وفى ذات الوقت تنشيط مبيعات الأسلحة الأمريكية لدول الناتو، خاصة بعد أن طالب دول الحلف بزيادة الإنفاق العسكرى مرة أخرى لـ 5% ومارس ضغوطا شديدة على دول الحلف خاصة الدول الأوروبية، وأن عليها أن تعتمد على ذاتها فى حماية أمنها وتقليل الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية وقد عمق الأزمة تصريحات نائب الرئيس الأمريكى جى.دى فانس فى مؤتمر ميونخ للأمن عام 2025 لتزيد التوتر بين أمريكا والأوروبيين عندما وصفهم بأنهم تابعون.

لكن الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران أسهمت فى تعميق الشروخ بين أمريكا والناتو حيث وصف ترامب دول الحلف بالجبناء، وأنهم تخلوا عن أمريكا التى وقفت معهم فى الحرب الاوكرانية.

وقد رفضت دول الحلف الأساسية مثل بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا المشاركة فى الحرب على إيران، أو فى تحالف عسكرى لفتح مضيق هرمز وتأمين الملاحة فيه حيث انطلق الموقف الأوروبى من اعتبارات عديدة أبرزها عدم تأييد شن الحرب، لأنها ليست حربهم بل حرب أمريكية، وأن فتح المضيق بالقوة العسكرية لن يجدى، وإنما من خلال الحوار والدبلوماسية، وأن يكون دور أوروبا فى تأمين الملاحة فى المضيق بعد وقف الحرب، بينما اعتبر ترامب أن إغلاق المضيق لا يضر فقط بالمصالح الأمريكية، وإنما يضر بشكل أكبر بالدول الأخرى، خاصة أوروبا والصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها، وأن عليهم أن يقوم بفتح المضيق بأنفسهم.

هناك عقبات عديدة تمنع ترامب من الانسحاب من الناتو، فهناك عقبات قانونية تتمثل فى أن قانون تفويض الدفاع الوطنى الذى أقره الكونجرس عام 2024 يحظر على الرئيس الانسحاب من تحالف الناتو دون موافقة ثلثى أعضاء مجلس الشيوخ أو عبر إجراء تشريعى من الكونجرس.

وفى ظل الأغلبية البسيطة للجمهوريين، فمن الصعب على ترامب الحصول على موافقة مجلس الشيوخ، أو تمرير قانون جديد للانسحاب، خاصة أن الكونجرس يمتلك الصلاحية الأساسية فى إقرار المعاهدات الدولية أو الانسحاب منها ولا يمكن للرئيس ترامب استخدام صلاحياته فى حماية الأمن القومى للانسحاب من تلك المعاهدة التى كان لأمريكا الدور الأساسى فى إنشاء الحلف عام 1949 لمواجهة التهديد السوفيتى وخطر الشيوعية وتعزيز أمن أوروبا، وذلك بعد اندلاع الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفيتى السابق.

أما العقبات السياسية والأمنية فتتمثل فى حاجة أمريكا للحلف، خاصة فى ظل القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة فى أغلب دوله، وتساعد فى تعزيز الهيمنة الأمنية الأمريكية العالمية وشن الحروب وسرعة الانتشار والتعامل مع الصراعات الدولية. وعمليا رغم أن أمريكا تتحمل الأكبر فى ميزانية الحلف فإنها المستفيد الأساسى استراتيجيا وأمنيا.

ويرى الأوروبيون أن أمريكا تستخدم الحلف لخدمة أهدافها ويتحفظون على توسيع نطاق عمل الحلف خارج أراضيه التقليدية فى أوروبا وضفتى الأطلسى، حيث شهد الحلف خلال السنوات الماضية توسعًا كبيرًا فى نطاق عملياته كما حدث فى أفغانستان وليبيا والعراق وغيرها، وكذلك التوسع فى مهامه وأهدافه، لكن فى المقابل أيضا فإن الأوروبيين لم يستطيعوا حتى الآن الخروج من المظلة الأمنية الأمريكية بعد تعثر إنشاء جيش أوروبى موحد.

لا شك أن الأزمة الحالية تدخل فى نطاق التوتر بين أمريكا وحلف الحلف أو بشكل أدق بين ترامب والناتو، لأنه بعد التوتر خلال ولاية ترامب الأولى قام الرئيس بايدن بإصلاح العلاقات بين الجانبين، لكنها عادت مرة أخرى إلى التوتر فى ولاية ترامب الثانية الحالية، ومن المتوقع أن يظل هذا التوتر خلال ما تبقى من فترة ترامب، لكنها تظل فى إطار الاختلاف والتباينات فى المواقف بينهما ضمن التحالف الاستراتيجى الأمريكى - الأوروبى، ومن الصعب أن يصل إلى حد الانسحاب، كما أنها تأتى فى سياق استراتيجية الضغوط القصوى التى يمارسها ترامب على دول الحلف للحصول على أكبر قدر من المكاسب مثلما نجح فى دفع دول الحلف لزيادة إنفاقها العسكرى. وبالتالى قد يزول هذا التوتر إذا ما جاء رئيس ديمقراطى بعد ترامب لكن انتخاب رئيس جمهورى مثل فانس أو روبيو قد يعمق الأزمة بين الجانبين ويجعل العلاقة بينهما على المحك.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية