تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > د. أحمد زايد > مراد وهبة..الاحتفاء بالعقل والمدنية

مراد وهبة..الاحتفاء بالعقل والمدنية

عندما يكون الحديث عن الفيلسوف الكبير مراد وهبة يكون الاحتفاء بالعقل حاضرًا بقوة.

لقد اكتشف مراد وهبة بحسه الفلسفى الخصب أن حياتنا المعاصرة هى حياة تفتقد إلى التفكير العقلانى الرشيد، وأن التاريخ قد أحبط الفكر العقلاني، بل إنه قتله عندما أحرق كتب ابن رشد؛ كما اكتشف أيضًا أن ظهور بذور التطرف والغلو والميول الأصولية فى مجتمعاتنا ناتج عن غياب العقل، حيث يميل الإنسان إلى التفكير العاطفى أو الوجدانى أو الخرافى فيتجه إلى الماضى ويعتبره أفضل من الحاضر، ويؤسس للأصولية التى تأخذ المجتمعات إلى آفاق الضلال والفوضي.لقد أدرك مراد وهبة أن بناء الثقافة العربية المعاصرة تعتريه كوابح كثيرة مثل تمدد الفكر الأصولي،

وغياب الحرية، والميل إلى التفكير الخرافي، ونبذ التفكير العلمى والعقلي. ومن ثم فإنه قد ظل يجادل حول فكرة محورية تدور حول أهمية استخدام العقل، وأهمية فهم الواقع فى ضوء معطيات علمية ومدنية، وتجاوز كل المكبلات التى تقيد الانطلاق الفكرى والاجتماعي.

 

على هذه الخلفية الفكرية ظل مراد وهبة يكتب ويفكر ويجادل لفترة طويلة من الزمن تمتد إلى أكثر من سبعين عامًا. فقد كتب عن الفلسفة وأهميتها، وعن سلطان العقل، والحرية والديمقراطية، والتنوير، ومخاطر الأصولية والإرهاب، وخصص مساحة كبيرة من فكره لابن رشد (1126-1198) مذكرًا بأنه لعب دورًا كبيرًا فى النهضة الأوروبية، وتم نسيانه تمامًا فى الثقافة العربية،

ومذكرًا بأهمية الفصل بين الفكر الدينى والفكر العلمي، وأهمية دمج مفهوم العلمانية فى أساليب الفكر والعمل فى مجتمعاتنا، مؤكدًا أن العلمانية لا تعنى قط الإلحاد، ولكنها تعنى القدرة على التفكير فى النسبى بما هو نسبي، دون الجنوح الى تفسيره بما هو مطلق، بمعنى عدم الوقوع فى مغالطات منطقية فى التعامل مع المفاهيم التى يطرحها علينا العصر. وبجانب هذا الجهد الأكاديمي، ظل مراد وهبة يتحدث ويكتب فى الصحافة ويعقد المؤتمرات، ويقيم منتدى فكريًا لابن رشد يحضره عدد من كبار المثقفين والأكاديميين.

إننا نعرف جيدا أن الفكر الأصولى قد انتشر وتمدد فى جسد التكوين العمرانى العربي، وتم استخدامه من جانب القوى الاستعمارية لتفكيك المجتمعات وضرب استقرارها وتماسكها. ولا سبيل إلى محاربة هذا الفكر والتخلص من آثاره السلبية إلا بالدفاع عن العقل، والدفاع عن المدنية، والعمل من خلال أدوات التعليم والعلم والثقافة، وبناء الإنسان القادر على أن يستوعب روح العصر ويتحداها بعقله المنجز الواعي.

واذا ما تأملنا فى هذا السياق موقفًا واحدًا من مواقف مراد وهبة، وهو يرتبط بإشاراته إلى مخاطر الأصولية، لوجدنا أنه كان سباقًا إلى التنبؤ بما حدث فى أرجاء الوطن العربى من إرهاب ومن دعوات للرجوع إلى الماضى ونبذ الحداثة والمدنية، وإفساح المجال لنظم سياسية قادتها جماعات إخوانية وسلفية، زرعت فى المجتمعات العربية بذورًا جديدة للتخلف والاستدارة وأشاعت فيها قدرًا كبيرًا من الفوضى ونمو النزعات الإرهابية. وهذا هو الدور المنوط بالمثقف، خاصة إذا كان قادما من عالم الفلسفة. إنه القادر على أن يستقرئ العصر الذى يعيش فيه، ويكتشف ما ينمو فى داخله من مخاطر.

هنا تتحول الفلسفة، كما الفكر الاجتماعى العلمى إلى أداة للتحرر، وإلى وسيلة لتفتيح الآفاق المعرفية نحو الفهم العميق، واكتشاف المعانى الدفينة، ومساعدة المجتمعات على تخطى كبواتها وكوابح تقدمها.

ولهذا فإنه يحق لنا أن نحتفى ونحن نذكر مراد وهبة بالعقل وأن نحتفى معه بالمدنية، وأن نُثمن هذا الفكر الذى يهدف إلى بناء نهضة يكون العقل مركزها، ومجتمع يسيطر عليه التفكير الذى يبعده عن النزعات الأصولية والميول والاتجاهات الخرافية.

لقد كان العقل محركًا للتاريخ الحديث منذ أن طرح ديكارت (1596-1650) عبارته الشهيرة «أنا أفكر أنا إذن موجود». لقد جعلت هذه العبارة الإنسان القادر على الفكر هو مركز الكون، وجعلت من العقل إطارًا للتقدم ولهزيمة كل الأفكار التى تدفع الإنسان الى الوراء. ولا شك فى أن هذه العبارة كانت نابعة من رؤية لتاريخ الحضارة. فالعقل هو الذى يقف خلف صناعة الحضارة؛ وهو الذى يُمكن الانسان من أن يسيطر علي الطبيعة وأن يسخرها لخدمة أهدافه الإنسانية.

وأحسب أننا فى أمس الحاجة لكى نعيد قراءة الفكر العقلى بدءًا من الحضارات القديمة، ومرورًا بابن رشد، وانتهاءً بالحضارة الحديثة. ونحن بحاجة أيضًا إلى أن نستمد من مراد وهبة درسا يتمثل فى قدرته الفائقة على الدفاع عن فكرته والصمود عليها، والعمل على نشرها.

فاذا كنا نؤمن معه بأن التفكير العقلى ضرورى لحياتنا المعاصرة، ولإنقاذ مجتمعاتنا مما يحاصرها من أفكار سلفية متطرفة، فإننا بحاجة إلى أن نتعلم هذا الدرس بأن نشدد على موقفنا العقلي، وأن ندافع عنه ما شاء لنا الدفاع. ومن نافلة القول أن نؤكد أن مثل هذه القراءة، ومثل هذا الدرس يجعلنا نعيد تأكيد الدور المهم للفلسفة ولكل علم اجتماعى فى صناعة التقدم، وأن لا سبيل إلى تكوين أصيل للإنسان دون هذه العلوم.

وثمة بُعد آخر يجعل الدفاع عن الفكر العقلانى ضرورة ملحة فى حياتنا. إن مجتمعاتنا العربية مجتمعات شابة، وأن أجيالها الصغيرة كبيرة العدد يجب أن تحصل على أفضل أنواع التعليم، ويجب ألا تترك لغواية مخاطر الاستهلاك ووسائل التواصل الاجتماعي، ولا سبيل الى تحقيق الحماية من هذه المخاطر إلا بدفعهم الى القراءة والى التعرف الحقيقى على الأصل فى بناء الحضارة، الذى هو العقل وما ينتجه من فكر وعلم، وأن لا سبيل إلى بناء مستقبل مزدهر إلا بالتحيز إلى الفكر العقلاني، والسير فى نور العقل، والتخلص من ظلمات الجهل والتطرف والأصولية.وهذا هو الطريق الذى دعا إليه فيلسوفنا الكبير.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية