تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
التوازن الهش
لم يعد الحديث عن مستقبل الشرق الأوسط ترفاً تحليلياً، بل ضرورة يفرضها تسارع الأحداث على الأرض، خاصة بعد التصعيد الأخير بين الولايات المتحدة وإيران، والذى نقل المنطقة من مرحلة إدارة التوتر إلى حافة الانفجار المباشر. هذا التحول يفرض إعادة قراءة كثير من التقديرات السابقة التى قدمتها مراكز بحثية دولية.
فى تقديرات سابقة، رأى معهد الشرق الأوسط أن المنطقة تتجه نحو لااستقرار منضبط، لكن التطورات الأخيرة تكشف أن هذا الضبط بات هشاً للغاية، وأن احتمالات الانفلات أصبحت أكبر، خاصة مع دخول أطراف دولية بشكل مباشر فى الصراع. فالتدخل العسكرى الأمريكى ضد إيران يعكس تحولاً واضحاً فى قواعد الاشتباك.
كما أشار معهد بروكينجز إلى أهمية دور دول الخليج فى حفظ التوازن، لكن الأحداث الجارية تضع هذه الدول أمام اختبار صعب، يتمثل فى كيفية الحفاظ على الاستقرار دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة قد تمتد آثارها إلى الداخل.
أما معهد دراسات الأمن القومى الإسرائيلى، فقد ركز على ضرورة بقاء الصراع محدوداً، إلا أن الواقع الحالى يشير إلى أن هذا التقييد لم يعد مضموناً، وأن احتمالات التوسع الإقليمى أصبحت أكثر واقعية.
وفى خضم هذا المشهد، تبرز حقيقة واضحة، أن الفائز الأول من أى صراع خليجى إيرانى هو الولايات المتحدة، التى تستفيد من استنزاف جميع الأطراف، وإعادة ترتيب النفوذ فى المنطقة بما يخدم مصالحها الاستراتيجية. وتأتى إسرائيل فى المرتبة الثانية، حيث يتيح لها هذا الصراع إضعاف خصومها دون تحمل التكلفة المباشرة. بل إن إسرائيل تسعى لأن تصبح القوة الأكثر تأثيراً فى المنطقة، خاصة بعد أن أضعفت الولايات المتحدة الجيوش العربية الكبرى - عدا مصر حفظها الله - وهو ما يمنح إسرائيل تفوقاً استراتيجياً واضحاً. كما قد تسعى إلى بسط نفوذها على المضايق والممرات البحرية الحيوية، بما يمكنها من التحكم فى حركة التجارة بين الشرق والغرب، سواء لحسابها أو فى إطار خدمة المصالح الأمريكية.
فى هذا السياق، تكتسب جولة الرئيس عبدالفتاح السيسى الأخيرة فى دول الخليج أهمية خاصة، إذ تعكس تحركاً مصرياً واعياً فى توقيت بالغ الحساسية، يحمل رسالة واضحة مفادها عدم وجود خلافات بين مصر ودول الخليج.
كما تؤكد الجولة أهمية ضبط النفس فى التعامل مع إيران، لتجنب منح الفرصة لأى طرف خارجى لاستغلال التصعيد. فالتوتر إذا خرج عن السيطرة، لن يخدم سوى القوى التى تسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة وفقاً لمصالحها.
ويعكس هذا التوجه إدراكاً عميقاً بأن الانجرار إلى الحرب قد يفتح أبواباً يصعب إغلاقها، ويحول المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح تتداخل فيه الحسابات الدولية مع النزاعات الإقليمية.
فى النهاية، يعيش الشرق الأوسط اليوم توازناً هشاً يتشكل مع كل تطور جديد. الحفاظ عليه يتطلب وعياً سياسياً وقدرة على ضبط الإيقاع، لأن البديل قد يكون فوضى لا يمكن احتواؤها.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية