تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > خالد منتصر > أسئلة التاريخ ما زالت أكثر من إجاباته

أسئلة التاريخ ما زالت أكثر من إجاباته

هل عرفنا من قتل جون كيندى على وجه الدقة؟، هل نحن متأكدون من مكان الإمام موسى الصدر، وهل تأكدنا من ملابسات اختفائه؟، هل المشير عبد الحكيم عامر انتحر؟، وما المرض الذى أودى بحياة الزعيم ياسرعرفات؟.

 

تلك الأحداث وغيرها تؤكد شيئًا واحدًا، وهو أن التاريخ ما زالت فيه ألغاز كثيرة لم نجد حلها بعد، وأعتقد أننا سنظل إلى نهاية العالم تائهين مع شفرتها الغامضة، شغلتنى تلك المسألة،

بحثت كثيراً عن كتاب يتناول تلك المسألة، رمادية التاريخ، التى ليست كما نتصور تتراوح مابين الأبيض الناصع والأسود الغطيس، كما فى أفلامنا الدينية، حيث يرتدى المؤمنون الجلابيب البيضاء الهفهافة، ويرتدى الكفار الملابس السوداء الكئيبة!، تلك الرمادية التاريخية، ودخول ألوان طيف أخرى، والإيمان بأن التاريخ ليس فيه محسومات، لكن فيه وجهات نظر، وكل يقدم أدلته، التى تجعل من تأريخ حدث قريباً من الحقيقة، وليس الحقيقة،

الكاتب والمؤرخ بول أرون هو واحد من هؤلاء المؤرخين المؤمنين بتلك النظرية، اشتهر بتقديم الكتب التاريخية والتحقيقية الموجهة إلى القارئ العام، خصوصًا تلك التى تتناول الألغاز والأسئلة الجدلية فى التاريخ بأسلوب عقلانى نقدى، بعيدا عن الأساطير ونظريات المؤامرة، الكتاب الذى أقدمه لكم هو « ألغاز تاريخية محيرة»، كاتبه ليس مؤرخًا أكاديميًا تقليديًا، بل ينتمى إلى مدرسة التاريخ التفسيرى المبسّط التى تهدف إلى: طرح الأسئلة الشائعة والمثيرة، واستعراض الروايات المتعارضة، وتقييم الأدلة المتاحة، والوصول إلى خلاصة مرجّحة قائمة على المنهج العلمى،

يركز بول أرون على الأحداث التاريخية المختلف حولها، والشخصيات المثيرة للجدل، والشائعات التى تحولت إلى «حقائق شعبية»، وتفكيك الخرافة التاريخية بالحجة والوثيقة، ومن أشهر الأسئلة التى ناقشها فى هذا الكتاب، هل وقعت حرب طروادة فعلًا؟، وهل مات موزارت مسمومًا؟، هل انتحر هتلر أم قُتل؟، وهل كان يمكن إنقاذ سفينة تايتانيك؟، وهل كان كولومبوس يقصد اكتشاف أمريكا؟،

يتميز بالتحليل الهادئ بدل الإثارة، والاعتماد على المصادر التاريخية المعتمدة، والتفريق بين ما ثبت بالدليل، وما هو محتمل، وما هو خرافة شعبية، ولا يقدّم نفسه كمالك للحقيقة المطلقة، بل كدليل للقارئ داخل متاهة الروايات، أسلوبه يثبت أن المؤرخ الذى نحتاج إليه هو المؤرخ الذى يحارب الأسطورة بـالمنهج، لا باليقين الأيديولوجى، ويعيد للتاريخ وظيفته الحقيقية التى هى ليست تمجيد الماضى، بل فهمه بعقل شبه محايد

يُغرى التاريخ البشرى دائماً بحكاياته غير المكتملة، وبأسئلته التى تقاوم الحسم النهائى، فى كتاب «ألغاز تاريخية محيرة» لا يسعى المؤرخ بول أرون إلى تقديم إجابات يقينية بقدر ما يحاول إعادة الأمور إلى حجمها الواقعى، بين ما تثبته الوثائق، وما تصنعه الأساطير، وما يضيفه خيال البشر لاحقًا، ولنبدأ بسؤال هل وقعت حرب طروادة بالفعل، يرى المؤلف أن حرب طروادة حدثت على الأرجح، لكن ليس بالصورة الملحمية التى وصلت إلينا عبر هوميروس، فالحفريات الأثرية فى موقع طروادة تؤكد وجود مدينة حقيقية تعرّضت لدمار متكرر فى زمن مناسب للأسطورة، لكن عناصر مثل حصان طروادة، وتدخل الآلهة، والمبارزات الخارقة، هى إضافات أدبية هدفت إلى تحويل صراع محلى محدود إلى ملحمة كونية، الحرب وقعت، لكن الأسطورة ضاعفت حجمها ومنحتها بعدًا خارقًا،
وهل مات موتسارت مسمومًا؟،
ينفى بول أرون وجود دليل علمى قاطع على أن الموسيقار موتسارت قُتل بالسم، فرغم انتشار الشائعات التى تتهم خصومه أو زملاءه، فإن السجلات الطبية المتاحة لا تؤكد التسميم، الأعراض التى سبقت وفاته تتماشى أكثر مع أمراض شائعة فى عصره، مثل العدوى الحادة أو الفشل الكلوى أو مضاعفات الحمى، قصة التسميم مغرية دراميًا، لكنها غير مثبتة تاريخيًا،

وهل قتل هتلر بنت أخته؟
 قضية وفاة غيلى راوبال عام 1931 أثارت شكوكًا واسعة بسبب علاقتها المعقّدة مع هتلر، التحقيق الرسمى آنذاك انتهى إلى الانتحار، ولا يوجد دليل مادى يثبت القتل المباشر، لكن بول أرون يلفت الانتباه إلى أن العلاقة كانت قائمة على السيطرة والعزلة والضغط النفسى الشديد، من إنسان سادى، الاحتمال الأكبر ألا تكون قد قتلت بيدى هتلر، لكن البيئة النفسية الخانقة التى خلقها، كانت عاملًا حاسمًا فى المأساة،

هل كان جورباتشوف جزءًا من انقلاب أغسطس 1991؟،

ينفى بول أرون أن يكون جورباتشوف شريكًا فى الانقلاب الذى استهدفه، فقد كان معزولًا فى القرم، ومقطوع الاتصال بالعالم الخارجى، لكن المؤرخ لا يعفيه تمامًا من المسئولية التاريخية؛ فتردده الطويل، ومحاولته إرضاء الإصلاحيين والمحافظين معًا، أضعفا موقعه السياسى، ومهّدا الطريق للانقلاب، جورباتشوف إذن فى رأيه لم يتآمر، لكنه خلق المناخ الذى سمح بالتآمر،

السؤال المثير الآخر، هل كان من الممكن إنقاذ تيتانيك؟،

يرى المؤلف أن غرق تيتانيك لم يكن حتميًا، فقد تلقت السفينة تحذيرات متعددة، لكن السرعة لم تُخفض، وعدد قوارب النجاة كان غير كافٍ، وإجراءات الطوارئ لم تُطبق بكفاءة، بالإضافة للثقة المفرطة فى التكنولوجيا التى لعبت دورًا مركزيًا فى الكارثة، غرق تيتانيك فى الكتاب كان سلسلة أخطاء بشرية، وليس ضربة القدر،

اللغز الأخير،

هل كان كولومبوس يقصد اكتشاف أمريكا؟، يؤكد بول أرون أن كريستوفر كولومبوس لم يكن يسعى لاكتشاف قارة جديدة، هدفه كان الوصول إلى الهند عبر طريق بحرى غربى، وحتى بعد وصوله إلى العالم الجديد ظل مقتنعًا أنه بلغ أطراف آسيا، إدراك أن هذه الأراضى تمثل قارة مستقلة جاء لاحقًا، بعد رحلته بسنوات، أمريكا اكتُشفت بالخطأ، لا بنية مسبقة متعمدة، التاريخ لا يُصنع بالأساطير، بل بالقرارات البشرية، والأخطاء، وسوء التقدير،

ليست كل الكوارث حتمية، ولا كل الاكتشافات مقصودة، ولا كل الشخصيات شريرة أو بريئة بالكامل، إنها دراما، مهمة المؤرخ فيها ليست إثارة الدهشة فقط، بل إعادة المسافة العقلانية بين ما حدث فعلًا، وما أحببنا وتمنينا تصديقه.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية