تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
تجديد الخطاب المجتمعى
استهلكنا دعوة «تجديد الخطاب الديني» في ضجيج بلا طحن، ولا يزال الخطاب الديني على حاله بنفس مفرداته، وأفكاره، واتجاهاته. جدّ لم تكن هناك رغبة صادقة من المؤسسات الدينية لترجمة الدعوة الرئاسية وتنزيلها تجديدًا، بل ابتدرتها جماعات الحسبة والمحتسبين الجدد العداء، وتزيدت في التضييق على المؤمنين في الطرقات، وأعملت فيهم أفكارها الماضوية، وسامتهم سوء العذاب، وفي هذا حكايات ومرويات رائجة في الفضاء الإلكتروني.
ولم تلق دعوة «تجديد الخطاب الثقافي» التي نبتت من رحم تجديد الخطاب الديني زخمًا، ولم يلتف حولها المثقفون، ولم يرفدها المفكرون ببنات أفكارهم، وما يستبطنون من رغبة يقينية في إصلاح الذات الثقافية التي تعرضت لاستلابات ممنهجة في سياقات تنافسية مع دول الأطراف تود انتزاع الصدارة والريادة من قلب القاهرة العامر ثقافيًا، أخشى تولي المثقفين يوم الزحف. وتاليًا ظهرت على خجل دعوة «تجديد الخطاب المجتمعي»، وأظنها دعوة طيبة كشجرة طيبة، تستهدف نقلة نوعية في الخطاب المجتمعي الذي تراجعت فيه قيم حميدة كانت تشكل عمدًا رئيسية في التماسك والتلاحم في مواجهة تحديات جسام، سيما المساس بقيم الحرية الشخصية التي تتسع لحريات عديدة، فقدنا قسمًا منها تحت قصف مسيرات مجهولة تجول في الفضاء الإلكتروني تقصف القيم والأفكار المؤسسة التي حفظت للمجتمع المصري قوامه المتماسك، ومزاجه المعتدل، وحرفته عن مقاصده الوطنية العليا. تجديد الخطاب المجتمعي ضرورة حضارية تستهدف مواكبة متغيرات العصر الرقمي، والثورة المعلوماتية، ومواجهة الأفكار الشاذة والمتطرفة، من خلال تبني قيم الوسطية التي جبلنا عليها في مجتمعاتنا قبل طوفان المستحدثات (البدع) وما يُبتدع.
توكيد: تجديد الخطاب المجتمعي ضرورة لإعلاء قيم التسامح، والتراحم، وتسييد قيم العلم والمعرفة في مواجهة مخطط تجهيل متعمد يسلب المجتمع قدرته على التمييز بين الغث والسمين وما ينفع الناس. التجديد المجتمعي في التحليل الأخير يعني إعادة قراءة النصوص المقررة على المجتمع، وفقًا للمقاصد العليا، والتمييز بين الثوابت والمتغيرات، تفعيلًا للقيم الإنسانية وتطويرًا لأدوات التواصل لتناسب احتياجات أجيال الثورة الرقمية التي باتت غريبة الأطوار، وتعيش غربة مجتمعية في وسط مالح يقتات الكراهية ورفض الآخر، ويدس أنفه في أدق الخصوصيات، ويقف زنهار متمنطقًا بحزام العفة والفضيلة والنهي عن المنكر الذي يقيسونه على مقاساتهم الضيقة التي حبسوا المجتمع فيها طويلًا. المنصة الرئاسية لم تقصر في إطلاق الدعوات لتجديد الخطاب المجتمعي، في صور متعددة، الخطاب الديني، الخطاب الثقافي، وأخيرًا الخطاب الإبداعي، لكن هذه الدعوات لا تلقى الاستجابة المطلوبة لتحويلها إلى برنامج عمل وطني محدد الخطوات والأهداف، أخشى تقاعسًا يكلفنا الكثير، ويؤخرنا عن تأدية الفروض الوطنية على أوقاتها، وهذا ما يجيش في الصدور وتعبر عنه الألسنة خجلًا من القعود والكسل الفكري الذي ضرب خلايا المجتمع الحية فأقعدها عن رسالتها التنويرية المجتمعية. تستصرخ الضمائر جرائم أسرية مؤلمة، تمزق النسيج المجتمعي، وتخجل الوجوه من سقطات أخلاقية في فيديوهات منشورة، وتضيق الصدور بتحرشات تتخذ هيئة أخلاقية، وتتحدث المنصات الصحفية بوقائع مخزية تدخل في باب الخيال، ولا تستوعبها العقول، أخشى قسمًا ليس هينًا من المجتمع فقد عقله أو فقد ظله، أيهما أدق وصفًا. الخلايا الحية المتماسكة القادرة على مواجهة مخطط التفكيك المجتمعي، أخشى باتت غير قادرة على ضبط إيقاعها، وفقدت بعض تماسكها، وتخلت عن بعض ثوابتها، وتجاري موجات تغريبية هائلة، وتتشدق بمفردات غريبة، تترجم سلوكيات شاذة على قيم مجتمعية مستقرة، وحفظت للمجتمع المصري تماسكه طويلًا. موجات التغريب لا تقل ضراوة عن موجات سلفية، تعتنق مذهب التهذيب المجتمعي بالأثر الرجعي، الماضوية، كلاهما يضغط المجتمع، صار مثل صفيحة خاوية في بحر متلاطم الأمواج، تقذفها يمينًا ويسارًا، وتضغطها من جوانبها بقسوة، فتسمع تكسر أضلاعها في أذنيك، موجات تغريبية تشد شعر المجتمع تكاد تقتلعه.
تجديد الخطاب المجتمعي ليس نزهة خلوية، بل برنامج أعمال شاقة يبدأ من الأسرة ويمر بالمدرسة إلى الجامعة، ومنها إلى دواوين العمل، برنامج يعني بنهضة فكرية حداثية تعني باستصلاح المساحات البور، أو التي بارت عمدًا، أو تصحرت بفعل الإهمال، واستزراعها بقيم مؤسسة على أفكار تخاصم الرجعية التي تُترجم سلفية، وترنو إلى أفكار حداثية يقتاتها العالم. استزراع الصحراء لا يقدر عليها سوى الأشداء المؤمنين بالحصاد، وكذا استزراع العقل المصري يحتاج إلى مؤمنين مؤتمنين بفكرة تجديد الخطاب المجتمعي، استزراع العقل الجمعي بقيم الخير والحب والجمال والحرية والعدالة والمساواة وحق الآخر، والتمكين للفئات الضعيفة، والتذكير بالحقوق وقبلها الواجبات. مثل هذه الدعوات الصالحات، والقصد تجديد الخطاب الديني والثقافي والإبداعي، وإجمالًا تجديد الخطاب المجتمعي، مواكبًا تجديد الخطاب الاقتصادي، وتمكين القطاع الخاص من إنجاز فروضه الوطنية كاملة، تشكل دعوة للتجديد، نستحقها جزاء وفاقًا على صبر العقود التي تراجعت فيها القيم المؤسسة للفكرة الوطنية التي تشكل عمود خيمة هذا الوطن في مواجهة غزو فكري يستهدف قتل روح المواطنة في نفوس المصريين، وحرف العقل الجمعي (المجتمعي) عن مقاصده العليا، وكما يلح السيد الرئيس مرارًا وتكرارًا على (معركة الوعي)، وضرورة التسلح فكريًا في مواجهة أفكار تحرف بوصلة المواطن عن مقاصد الوطن العليا.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية