تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
«أبو العريف» فى زمن الثورة الرقمية!
تشير الأدلة العلمية والأحفورية إلى أن أصول الجنس البشري الحديث (الإنسان العاقل) تعود إلى قارة إفريقيا قبل نحو 200 إلى 300 ألف عام. الأدلة العلمية الأحفورية نفسها لم تُدلِنا على عمر (الإنسان أبو العريف)، وهو من سلالة بشرية سكنت وترعرعت في وادي النيل قبل 5000 إلى 7000 عام. للفيلسوف «جورج برنارد شو» مقولة عَمَّرت طويلًا، أكثر من أعمارنا، وستعمر طويلًا لأجيال أخرى قادمة:«أخطر ما قد تواجهه ليس الجهل، بل الشخص الذي يجهل ويظن أنه يعلم»، وأبو العريف يجهل ويظن أنه عليم بذات الصدور.
نعم، أشد خطرًا من الجهل أبو جهل نفسه، وقد قال طيب الذكر الأستاذ «عباس محمود العقاد»، فيما نُقل عنه: أسوأ الجهال الجاهل النشيط. سألوه: من الجاهل النشيط؟ قال العقاد:الجاهل النشيط رضي عن جهله، ورضي جهله عنه. ما نعانيه، ونعاني منه الأمرَّين، مُدَّعي المعرفة، يُطلق عليه في اللغة الدارجة «أبو العريف»، مصطلح شعبي دارج يُطلق على الشخص الذي يدعي المعرفة بكل شيء، ويفتي في كل شيء، حتى في علوم الذرة، حتى وإن كان لا يمتلك خبرة حقيقية بأتفه الأمور ولا يزنها، وغالبًا ما يتصرف مثل «بالون هيليوم منتفخ الأوداج، وعرق المفهومية نافر في نافوخه»!.
أبو العريف، في التوصيف الأمين، جاهلٌ جهولٌ يدعي الفهم؛ يراه بعضهم شخصية مستفزة ومدعية، ويراه آخرون شخصية فكاهية تجلب المرح، يتهكمون عليه ويسخرون من علمه العميق. وقيل في وصفه: «يا سلام سلِّم على مخك البرالنط.. يا بحر العلم، يا ترعة المفهومية، يا فيلسوف الحمير»، وقائل هذه العبارة الشهيرة هو الفنان المصري الراحل «لطفي الحكيم»، وقد قالها في دور (العمدة) في مشهد كوميدي شهير أمام طيب الذكر الفنان (إسماعيل ياسين) في فيلم «المليونير الفقير».
ربنا رزقنا بسلالة بشرية متكاثرة تكاثرًا بيولوجيًا من جنس (أبوالعريف)، يحملون جين الكذب البواح، يختلف ظاهريًا عن جين (أبوالعربي)، رغم تقاربهما الجيني، ولكنها أحكام لخريطة البيولوجية وطفراتها المتنحية. التوقعات المرئية لمصائر الأجناس البشرية تقول بانقراض هذه السلالة المؤذية مع انفجار الثورة الرقمية؛ لم يعد له موطئ قدم في البيئة الحاضنة، ولم تعد هناك أسرار يختزنها عقل أبو العريف وتكسبه ميزة نسبية في الحكي الشفاهي.
للأسف، الطور المتحور من أبو العريف طوَّع منتجات الثورة الرقمية، وضمَّنها خطابه، فصار مثل محرك بحث بشري، يُسأل كما يُسأل جوجل فيجيب، وفي الغالب يتطوع بالإجابة، مدعيًا المعرفة والعلم اليقين، عالمًا بالأسرار، منفردًا متفردًا بالأخبار، ينسج من نتف المعلومات حقائق، يجيد الرسكلة، إعادة تدوير النفايات الإخبارية، وتحويلها ببعض مكسبات الطعم إلى قصص مثيرة يجول بها في الشوارع الخلفية، ويتنطع بها على سكان الحارة المزنوقة، يلبي بها رغباتهم في حكي مهضوم عن مصدر غير معلوم. أبو العريف مولع بالكذب البواح؛ الكذب غريزة أساسية، يمتلك احتياطيًا استراتيجيًا من المادة الخام للكذب، ويباهي بقدرته على الكذب، وكلما كذب أكثر ازداد عطشه للكذب.
فيزيائيًا، الطاقة لا تفنى ولا تُستحدث من العدم، ولكن يمكن تحويلها من صورة إلى أخرى، وكذا الطاقة المشعة كذبًا التي يحملها «أبو العريف» لا تفنى ولا تُستحدث من العدم، ويمكن تحويلها إلى صورة أخرى. أبوالعربي صورة مقلدة من أبو العريف، وكلاهما يتمتع بخفة ظل تُترجم شخصية مهضومة، وابن نكتة، ويقال ابن حِنت، ويزعم أنه عارف القرد مخبي ولاده فين!
تعجب من مهاراته وخبراته، وعميق علمه في علوم الذرة والمفاعلات النووية، لا تُقارن بخبرته العميقة بأنواع السيارات الكهربائية، ويبُز خبراء الطيران في علوم الطيران.
ولا ينبئك مثل خبير بالسياسة ودهاليز صنع القرار، خبير بعواقب الأمور ومآلها وما تصير إليه المفاوضات الأمريكية الإيرانية بشأن برنامج إيران النووي، وإذا تجلّى كرويًا يجاوز خبراء الاستوديوهات التحليلية في الخطط الهجومية اللوذعية لبيب جوارديولا، المدير الفني لمانشستر سيتي. جدّ أبو العريف ظاهرة مصرية خالصة، مستوجب تسجيلها كمنتوج من منتجات الملكية الفكرية لأصحاب الأفكار اللوذعية، يتجلى في المفاصل الحيوية، يتألق في مراحل التغيير الوزارية، وعادة يظهر في الليالي القمرية والشمسية، يظهر على المقاهي وفي خطوط الباص، يتجسد خبيرًا بالطقس وأسعار العملات، ويحلل خطوط الطول والعرض، ويقرأ خرائط المناخ ومستويات الأسعار، وتوقعات الذهب والفضة، سيما مضاعفات الجنيه الذهبي. ثقة أبو العريف في توهماته التحليلية الوهمية.
ثقة أبو العريف في معلوماته وطرق تسويقها، توحي عند السابلة (العوام) بالمصداقية، وللأسف يسقط في حبائله محسوبون على النخب، ويزعم اقترابًا من المفاعل المعلوماتي، ويستقي أخباره من مصادر علوية (فوقية) موثوقة وعليمة بدان الأمور الكونية. الضلال المعلوماتي عند أبو العريف ليس عفو خاطر، ليس تفكهًا؛ خطورته في استخدامه سياسيًا واستخباراتيًا، شغفه بالكذب وشبقه المعلوماتي يوقعانه في شر أعماله، وسوء الأعمال وأشرها، نشر متعمد لمعلومات كاذبة أو مضللة تحاكي محتوى الإعلام الإخباري بهدف الخداع، التضليل، أو إثارة الفوضى.أبو العريف بات مصدرًا للشائعات الإلكترونية، والأخبار المزيفة، والتلاعب بالصور، ما ينتج عنه ارتباك اجتماعي واقتصادي، وقد يدفع الأفراد لاتخاذ قرارات خاطئة أو تصديق أوهام وتخيلات غير منطقية، يقول بها مخاوي على مقهى شعبي في حي السيدة.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية