تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > حاتم نعام > الصبر الاستراتيجي وصوت العقل المبكر

الصبر الاستراتيجي وصوت العقل المبكر

في طفولتنا لم يكن صديقنا الحكيم مجرد رفيق لعب، بل كان القاضي الذي نحتكم إليه حين تشتد الخلافات. كان مرجع الثقة الذي يقبل الجميع حكمه، لا لأنه الأقوى صوتًا، بل لأنه الأهدأ عقلًا والأقدر على الإنصاف. كنا نشعر بالأمان حين نلجأ إليه، لأن حكمه كان يعيد التوازن ويضع نهاية عادلة للنزاع.

منذ تلك اللحظات المبكرة ترسخت في الذهن حقيقة بسيطة لكنها عميقة: أن القوة الحقيقية لا تكمن في الصراخ أو التصعيد، بل في الحكمة وضبط النفس والقدرة على التأثير. ومع مرور السنوات أدركت أن ما يصلح لفض النزاعات بين الأطفال يمكن أن يكون مبدأً أوسع في إدارة النزاعات بين الدول.


هذه الصورة تعود إلى الذاكرة كلما تأملت مواقف الدولة المصرية تجاه ما تشهده المنطقة من أزمات وصراعات متلاحقة. فمصر، عبر تاريخها الطويل، لم تكن يومًا صوتًا للفوضى أو طرفًا يدفع نحو التصعيد، بل كانت دائمًا صوت العقل الذي يسعى إلى تثبيت دعائم الأمن والاستقرار، وإلى حماية التوازن في محيط عربي وإقليمي بالغ التعقيد.


وفي ظل ما يشهده هذا الإقليم المضطرب من توترات متصاعدة، خاصة على خلفية الصراع بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، تبرز الوساطة المصرية مرة أخرى لتؤكد ثبات هذا النهج. فالموقف المصري يقوم على منع اتساع دائرة الصراع وحماية الأمن الإقليمي من الانزلاق إلى مواجهات أوسع قد تدفع المنطقة كلها إلى حافة الخطر.


كما يعكس رفض مصر استهداف دول الخليج والأردن والعراق موقفًا مسؤولًا يرسخ مبدأ أن أمن المنطقة كلٌّ لا يتجزأ. فالقاهرة تدرك أن استقرار أي دولة عربية هو جزء من استقرار الإقليم بأسره، وأن إشعال الصراعات لن يجلب إلا مزيدًا من الفوضى وعدم اليقين.


ومن هنا تأتي دعوات مصر المتكررة إلى وقف التصعيد والعودة إلى طاولة التفاوض، انطلاقًا من إيمان راسخ بأن الحلول السياسية والدبلوماسية هي الطريق الأكثر حكمة لتجنيب الشعوب كلفة الحروب وصراعاتها الممتدة. وهو نهج يعكس دورًا تاريخيًا لمصر كركيزة توازن في المنطقة، وكطرف يسعى دائمًا إلى احتواء الأزمات لا تأجيجها.


وهكذا تظل مصر، في لحظات التوتر الكبرى، ذلك "الصديق الحكيم" الذي يلجأ إليه الجميع. بهدوئها الذي يستوعب الغضب، وبصبرها الاستراتيجي الذي هو صبر الأقوياء؛ صبر الاختيار لا صبر العجز، وصبر العمل لا صبر الانتظار. فهي تملك القدرة على الفعل، لكنها تختار الحكمة.

ولهذا ستبقى مصر ركيزة أساسية في منظومة الاستقرار الإقليمي، والحارس اليقظ لأمن المنطقة، وصوت العقل حين تعلو أصوات الصراع.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية