تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

ماذا لو دقت طبول الحرب؟

في مشهد يعيد إلى الأذهان أكثر لحظات الشرق الأوسط توتراً، تتكاثف الحشود العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج بوتيرة لافتة، حاملات طائرات إضافية، قطع بحرية متطورة، أنظمة دفاع جوي، وقواعد عسكرية في حالة استنفار دائم.

هذه التحركات لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد رسائل ردع تقليدية، بل تعكس مناخاً إقليمياً مشحوناً يقترب من حافة الانفجار، ويطرح تساؤلات جدية حول شكل المنطقة إذا ما اندلعت حرب تقودها الولايات المتحدة في هذا المسرح شديد الحساسية؟!

تأتي هذه الحشود في سياق تصعيد متدرج تداخلت فيه عوامل أمنية وسياسية واستراتيجية. فمن ناحية، تسعى واشنطن إلى إعادة تثبيت هيبتها العسكرية في منطقة ترى أنها تشهد تراجعاً لنفوذها لصالح قوى إقليمية ودولية منافسة.

ومن ناحية أخرى، يتغذى التصعيد على شبكة معقدة من الأزمات المفتوحة، من الصراع في غزة وتداعياته الإقليمية، إلى التوترات في البحر الأحمر وباب المندب، مروراً بملف الطاقة وأمن الملاحة، وصولاً إلى هواجس تتعلق ببرامج تسليح متقدمة وانتشار الصواريخ والطائرات المسيرة لدى أطراف إقليمية.

هذا التراكم جعل من الخليج نقطة ارتكاز لأي مواجهة محتملة، باعتباره شريان الطاقة العالمي وقلب التوازنات العسكرية في الشرق الأوسط.

أسباب التصعيد لا تنفصل أيضاً عن الحسابات الداخلية الأمريكية، حيث تميل الإدارات المتعاقبة، في لحظات الارتباك الدولي، إلى توظيف القوة العسكرية كأداة لإعادة ترتيب الأوراق وفرض قواعد اشتباك جديدة. كما أن الحشود تحمل رسالة مزدوجة؛ ردع الخصوم وطمأنة الحلفاء في آن واحد، خصوصاً دول الخليج التي تجد نفسها في مرمى أي صراع واسع، سواء كانت طرفاً مباشراً أو ساحة اشتباك غير مباشرة. غير أن هذه الرسائل، مهما بدت محسوبة، قد تتحول في لحظة إلى شرارة مواجهة شاملة يصعب التحكم في مساراتها.

سياسياً، ستواجه المنطقة تحديات غير مسبوقة في حال اندلاع حرب من هذا النوع. أول هذه التحديات هو اهتزاز الاستقرار الهش الذي تعيشه دول عدة، حيث ستتصاعد الاستقطابات الحادة بين معسكرات متنافسة، وقد تُدفع بعض الدول إلى اتخاذ مواقف قسرية لا تنسجم مع مصالحها الوطنية طويلة الأمد. كما ستتراجع فرص الحلول السياسية للأزمات القائمة، سواء في فلسطين أو سوريا أو اليمن، لصالح منطق القوة وفرض الأمر الواقع. وستجد المنظمات الإقليمية نفسها عاجزة عن لعب دور فاعل، في ظل عودة مناخ الاستقطاب الدولي وتغليب الحسابات العسكرية على أي مسار دبلوماسي.

اقتصادياً، ستكون كلفة الحرب باهظة على المنطقة والعالم. فالشرق الأوسط ليس مجرد ساحة صراع، بل عقدة أساسية في منظومة الطاقة والتجارة العالمية. أي مواجهة واسعة ستنعكس فوراً على أسعار النفط والغاز، ما يفاقم الضغوط التضخمية عالمياً، ويضع الدول المستوردة للطاقة أمام أزمات حادة. أما دول المنطقة، فستواجه تحديات مضاعفة؛ تراجع الاستثمارات الأجنبية، اضطراب سلاسل الإمداد، ارتفاع كلفة التأمين والشحن، وضغوط على العملات الوطنية والميزانيات العامة. وحتى الدول غير المنخرطة مباشرة في الصراع لن تكون بمنأى عن التداعيات، إذ سيطول الارتباك الاقتصادي الجميع بدرجات متفاوتة.

عسكرياً، يحمل السيناريو المحتمل أخطر التحديات.

فالحرب في الشرق الأوسط لن تكون تقليدية أو قصيرة الأمد، بل مرشحة لأن تأخذ طابع الحروب المركبة، حيث تتداخل الضربات الجوية والبحرية مع الهجمات السيبرانية، وحروب الوكلاء، واستهداف البنى التحتية الحيوية. ستتحول الممرات البحرية إلى نقاط اشتباك ساخنة، ما يهدد أمن الملاحة الدولية. كما أن انتشار الفصائل المسلحة غير النظامية يزيد من احتمالات اتساع رقعة المواجهة، لتشمل أكثر من دولة وجبهة في آن واحد، وهو ما يرفع كلفة الحرب ويجعل من احتوائها مهمة شبه مستحيلة.

في المحصلة، فإن اندلاع حرب تقودها الولايات المتحدة في ظل الحشود الحالية بالخليج لن يكون حدثاً عابراً، بل زلزالا استراتيجيا يعيد تشكيل الشرق الأوسط سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.

التحدي الأكبر أمام دول المنطقة لن يتمثل فقط في كيفية تجنب الانخراط المباشر في الصراع، بل في القدرة على حماية استقرارها الداخلي، والحفاظ على مصالحها الوطنية وسط عاصفة إقليمية ودولية عاتية.

وبين منطق الردع ومنطق الانفجار، يقف الشرق الأوسط اليوم على مفترق طرق بالغ الخطورة، حيث قد يكون أي خطأ في الحسابات كفيلاً بإشعال حريق يصعب إخماده.

 

 

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية