تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

نابليون والكومودور بيرى

هناك أوجه شبه بين مصر واليابان. يذكرنا كثير من الكتاب بأن بعثة يابانية زارت مصر فى مطلع النصف الثانى من القرن التاسع عشر للتعرف على تجربة مصر فى التحديث والإصلاح، مستشهدين بذلك على أن نهضة مصر الحديثة سبقت نهضة اليابان. السبق المصرى أمر مؤكد، وقد تكرر بعد ذلك عدة مرات، حتى بدا الأمر وكأنه عادة مصرية، فنحن نبدأ مبكرا قبل الآخرين، لكننا للأسف نصل بعدهم.

تذكرت المقارنة بين مصر واليابان بسبب مصادفة التزامن بين تشكيل حكومة جديدة فى البلدين فى نفس الوقت تقريبا. فى هذا الأسبوع فاز حزب رئيسة الوزراء ساناى تاكايتشى، الليبرالى الديمقراطى، بثلثى مقاعد البرلمان، وأصبح مؤهلا لتشكيل حكومة جديدة منفردا. فى هذا الأسبوع أيضا تجددت ثقة القيادة السياسية فى الدكتور مصطفى مدبولى، الذى أصبح رئيسا لحكومة جديدة، حصلت على تأييد أغلب أعضاء مجلس النواب.

أيقظ الغزاة الأجانب المشاعر القومية والرغبة فى التحديث والنهضة فى مصر واليابان. فى العام 1798 قاد نابليون حملة عسكرية لاحتلال مصر. كانت مصر تعيش فى عزلة عن التغيرات الكبرى الجارية فى أوروبا. انهزم الأمراء المماليك المغرورون بشكل مذل أمام الجيش الفرنسى حديث التسليح والتنظيم. خرج الفرنسيون من مصر بعد ثلاثة أعوام، لكن التفوق والتنظيم والانضباط الفرنسى لفت نظر الأذكياء، وعلى رأسهم الضابط العثمانى محمد على، الذى أطلق نهضة مصر الحديثة.

كانت اليابان المعزولة تمنع التجار الأجانب وسفنهم من دخول أراضيها. عام 1853 رست أربع سفن حربية عملاقة، سوداء اللون، مصنوعة من الحديد، تدفعها محركات بخارية، أمام ميناء يابانى. طلب القائد البحرى السماح لسفنه بالرسو فى الميناء لتسليم رسالة من الرئيس الأمريكى. مشهد السفن البخارية الحديدية المسلحة أرعب اليابانيين، الذين لم يشهدوا شيئا مثل هذا من قبل. كانت الحملة البحرية الأمريكية تحت قيادة الكومودور ماثيو بيرى، القائد البحرى المهووس بالتكنولوجيا الحديثة، والذى قاد عملية تحويل سفن الأسطول الأمريكى إلى سفن تتحرك بالبخار. سلم الكومودور بيرى الرسالة، وفيها طلبت الولايات المتحدة فتح الموانى والبلاد للسفن والتجارة الأجنبية. تضمنت الرسالة تهديدا بأن الكومودور بيرى سيعود بعد عام بعدد أكبر من السفن لفرض حرية التجارة بالقوة مالم تبادر حكومة اليابان بإتاحتها سلما.

فى منتصف القرن التاسع عشر كانت الولايات المتحدة قد قطعت شوطا طويلا فى اتجاه استكمال توسعها القاري.فى الفترة 1845 – 1850 ضمت الولايات المتحدة ولايات فلوريدا وتكساس وأيوا ووسكنسن وكاليفورنيا، وانتصرت على المكسيك، وباتت مستعدة للتوسع الاستعمارى، تشبها بالقوى الأوروبية التى سبقتها فى هذا المجال.

عندما عاد الكومودور بيرى لسواحل اليابان فى العام التالى على رأس أسطول أكبر وجد الحكومة اليابانية مستعدة لتوقيع معاهدة أتاحت للسفن الأمريكية الرسو فى موانٍ يابانية، وقبلت تعيين قنصل للولايات المتحدة فى اليابان. فى الأعوام التاليةحصلت القوى الأوروبية الأخرى على تنازلات مماثلة.فقدت اليابان السيطرة على أسواقها، وفاز الأجانب بحصانة ضد تطبيق قوانين اليابان عليهم. أشياء مثل هذه حدثت عندنا أيضا.

حدث هذا بدون طلقة واحدة، فقد أدرك اليابانيون حقيقة تفوق الأمريكيين والأوروبيين، وأنه لا معنى لمقاومة محكوم عليها بالفشل، وأنه من الأفضل امتلاك خطة ذكية لمنافسة الغربيين فى مجالات تفوقهم. عرف تاريخ اليابان مجموعة متنوعة من المواقف بشأن هذه القضية، تراوحت بين أولئك الذين رفضوا كل مظاهر الحداثة باسم رفض التغريب، مرورا بأولئك الذين سعوا للحفاظ على التقاليد اليابانية مع تبنى جوانب الحداثة «الخالية من القيم» الغربية، إلى أولئك الذين دعوا إلى التخلى عن التقاليد اليابانية تماما، لأن اليابان– فى رأيهم - لا يمكن أن تصبح حديثة حقا إلا لو أصبحت غربية. إنها نفس الاتجاهات التى تصارعت حول الإصلاح والتحديث فى مصر. انتصر التيار الوسطى فى اليابان، وإليه يرجع الفضل فى نهضة وتحديث اليابان، فأى من هذه الاتجاهات انتصر فى مصر؟.

كانت هناك مقاومة للإصلاح فى مصر واليابان. بدون إلحاق الهزيمة بالمقاومة لم يكن الإصلاح ليتقدم فى البلدين. تخلص محمد على باشا من المماليك فى المذبحة الشهيرة، فتمركزت السلطة والموارد فى يد حكومة قوية. فى اليابان انتصر الإمبراطور الإصلاحى موتسو هيتو على المحاربين الساموراى، فأسس وحدة سياسية متينة، وأطلق برنامج الإصلاح. أطلق الإمبراطور المنتصر على نفسه وعلى عهده اسم «ميجى»، وتعنى الحكومة المستنيرة، وفى عهده طافت بعثة يابانية ببلاد الغرب، بحثا عن إجابات لأسئلة النهضة والتقدم. إنها البعثة التى زارت مصر ضمن جولتها الغربية.

أطلق الضغط والاختراق الاستعمارى مشاعر قومية قوية فى اليابان ومصر، وفى هذا يتشابه البلدان. الفارق المهم بين مصر واليابان هو أن السلطة فى اليابان كانت لليابانيين، وأن ملكية مشروع الإصلاح هناك تعود للنخب اليابانية التى تبنته. أما فى مصر فإن السلطة كانت فى يد الضابط العثمانى محمد على، صاحب مشروع الإصلاح، الذى ساعده فى تنفيذه لعدة عقود نخبة غريبة من بلاد العثمانيين الواسعة، بينما نظر أهل البلاد بتشكك إلى كثير من مكونات هذا المشروع، ولم يتحمس له منهم سوى النخب التى استفادت منه وشاركت فيه مباشرة. هذا فارق مهم بين مصر واليابان. لقد تم توطين الإصلاح فى اليابان عبر تبنى نخب وطبقات وطنية لقضية الإصلاح، بينما ظل الإصلاح ضعيف الجذور فى التربة المصرية.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية