تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
من يتجرع السم؟!
الحروب تنتهى. لا يوجد حرب تستمر بلا نهاية. تنتهى الحرب عندما يحقق أحد الأطراف انتصارا عسكريا كاسحا على الطرف الآخر. لا يبدو احتمال مثل هذا واردا فى الحرب الأمريكية الإيرانية الراهنة. بعض الصراعات تمتد لعقود، تمر خلالها بدورات من الحرب والهدنة. ربما لا نعرف بالضبط توقيت بدء الصراع، وقد لا تكون له نهاية. لكن الحروب التى تحدث فى إطار أى صراع لها بداية ونهاية. قد يستهلك الصراع حياة عدة أجيال متعاقبة، لكن الحرب عادة تبدأ وتنتهى فى حدود جيل واحد. الصراع بين الولايات المتحدة وإيران ممتد منذ جيلين أو ثلاثة، لكن هذه هى الحرب الأولى، وقد لا تكون الأخيرة، بينهما.
تتعرض موارد البلاد لنزيف سريع عند دخولها الحرب. الجيوش التى يحتاج بناؤها إلى سنوات طويلة، والموارد الاقتصادية التى يتم تعبئتها لدعم آلة الحرب؛ كل هذا يتعرض للاستنزاف السريع عند نشوب الحرب. لا إيران ولا الولايات المتحدة ولا إسرائيل استثناء من هذه القاعدة، فهناك سقف للموارد العسكرية والسياسية والاقتصادية المتاحة لكل منهم. سقف الموارد العسكرية والاقتصادية المتاح للولايات المتحدة عال جدا، لكن السقف السياسى للموارد الأمريكية منخفض إلى حد كبير. لدى الحكومة الإسرائيلية موارد سياسية ودعم داخلى كبيرلمواصلة هذه الحرب، وإن كانت مواردها العسكرية والاقتصادية معتمدة على استمرار الدعم الأمريكى. الموارد العسكرية والاقتصادية لدى إيران أقل مما هو متاح لأمريكا وإسرائيل، لكن لديها موارد سياسية كبيرة، تجمع بين الانضباط السياسى والإيمان العقيدى والقمع البوليسى.
فى الحرب يستهلك كل طرف موارده المتاحة بحساب دقيق يضمن له أطول فترة بقاء فى ميدان المعركة. تنتهى الحرب عندما تنفد موارد أحد أطرافها الرئيسيين، فيعجز عن مواصلة القتال. من يصل إلى هذه النقطة أولا يعلن الخروج من الحرب، رغم أنه لم ينتصر أو ينهزم، هو فقط أصبح عاجزا عن الاستمرار فى الحرب.
شىء كهذا حدث فى حرب السنوات الثمانى بين العراق وإيران. انتصرت الثورة الإيرانية، وأخذ النظام الجديد يحرض بقوة ضد نظام الحكم فى بغداد، وقدم الدعم، بما فيه العسكرى، لجماعات معارضة عراقية ذات طابع مذهبى. أعطى النظام الجديد فى إيران دفعة قوية لعملية تسييس وتعبئة المذاهب الدينية فى العراق، فكانت هذه بداية تمزق النسيج الاجتماعى العراقى. هكذا بدأ الصراع، بتطورات متدرجة، أما الحرب فقد بدأت فى سبتمبر 1980 عندما شن الجيش العراقى هجوما على إيران. رغم مرور أكثر من أربعين عاما على هذه الحرب فإننا لا نعرف بالضبط ما الذى دار فى عقل الرئيس صدام حسين عندما اتخذ هذا القرار. إيران بلد كبير، لديه موارد هائلة، وسيبقى جارا لا يمكن محوه من على الخريطة. كانت إيران ضعيفة ومفككة بعد الاضطرابات الثورية التى مرت بها، لكن هذه كانت معاناة مؤقتة. بدأ صدام حسين الحرب، وكاد يخسرها لولا الدعم الكبير الذى قدمه له الأشقاء العرب. تجنب صدام حسين الهزيمة، لكنه لم يحقق النصر. صمود صدام فى المعركة هو أقصى انتصار كان يمكن تحقيقه. استعادت إيران الأرض التى خسرتها فى بداية الحرب، لكنها لم تستطع الاحتفاظ بأى أرض كسبتها بعد ذلك. حاولت إيران مرارا كسر مقاومة الجيش العراقى، فاستنفدت مواردها، ولم تعد قادرة على مواصلة القتال. فى هذه اللحظة خرج الإمام الخمينى ليعلن قبول قرار مجلس الأمن لوقف النار، واصفا القرار بأنه أكثر قسوة من تجرع السم.
ستبقى إسرائيل فى الحرب الراهنة طالما بقيت الولايات المتحدة فيها. ستنتهى هذه الحرب عندما يخرج أحدهم فى واشنطن أو طهران ليتجرع السم. الولايات المتحدة هى القوة الأكبر فى العالم، ولديها القدرة على مواصلة القتال لفترات طويلة جدا، لولا نفاد الموارد السياسية والتأييد الشعبى اللازم لمواصلة الحرب. حدث هذا مرات عديدة فى الماضى، وقد يحدث ثانية. لم تخسر الولايات المتحدة ولا معركة واحدة فى فيتنام أو أفغانستان أو العراق، لكنها خسرت الحروب الثلاث بعجزها عن تحقيق الهدف السياسى الذى سعت إليه. أمريكا لا تنهزم عسكريا لكن سياسيا.
تجرع السم فى الحالة الأمريكية يستغرق وقتا، لكن تكلفته السياسية تكون أقل لأن الرئيس الذى يعلن انتهاء الحرب يكون عادة تاليا للرئيس الذى بدأها. الرئيسان جونسون وبوش بدءا الحرب فى فيتنام وأفغانستان والعراق، أما من أنهاها فكانوا الرؤساء نيكسون وبايدن وأوباما، فبدوا كقادة حكماء يصححون أخطاء أسلافهم.
شيء كهذا حدث فى الغزو السوفيتى لأفغانستان، الذى بدأه الرئيس بريجنيف، وأنهاه الرئيس جورباتشوف. التوالى على السلطة يسهل الخروج من ورطة الحرب، ويقلل التكلفة السياسية لتجرع السم. استمرارية النظام والقيادة تجعل من تجرع السم مهمة صعبة تقف على حافة الانتحار. لهذا استخدم الخمينى تعبير تجرع السم، فقد اضطر الرجل فى النهاية لقبول نفس العرض الذى ظل يرفضه لسنوات. فهل سيكون على أحدهم فى إيران تجرع السم هذه المرة أيضا؟ وهل التوالى الإجبارى على مواقع القيادة فى طهران يسهل مهمة الصاعدين الجدد أم يجعلها أكثر صعوبة، أم أن إيران سيمكنها البقاء فى المعركة وقتا كافيا لاستنزاف الموارد السياسية المحدودة للرئيس ترامب، الذى سيكون عليه أن يتجرع السم؟
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية