تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
عقارب وسلاحف الشرق الأوسط
وقف العقرب حائرا على شاطئ أحد أنهار الشرق الأوسط. يريد العقرب الانتقال إلى ضفة النهر الأخرى لكنه لا يستطيع السباحة. لمح العقرب سلحفاة تسبح بالقرب من الشاطئ، فاستأذنها أن تحمله على ظهرها للضفة الأخرى. قفز العقرب فوق ظهر السلحفاة التى شرعت فى السباحة. وصلت السلحفاة إلى عرض النهر فإذا بالعقرب يلدغها بسمه القاتل. تساءلت السلحفاة مندهشة: سأموت أنا بالسم وستموت أنت غرقا، فلماذا تفعل ذلك. رد العقرب، مذكرا السلحفاة، بأنهم فى الشرق الأوسط، وفيه يتصرف الجميع بهذه الطريقة طوال الوقت.
يمكنك استبدال ضفدع بالسلحفاة، لكنك لن يمكنك استبدال الشرق الأوسط، فمثل هذه الأشياء لا تحدث إلا فى هذا الجزء من العالم. تذكرت هذه القصة وأنا أتابع صواريخ إيران وهى تسقط على بلاد عربية، ليست طرفا فى الهجوم عليها، وكأن إيران لا يكفيها عداء أمريكا وإسرائيل، وتريد كسب أعداء جدد. سيأتى وقت تحتاج فيه إيران لتعاون الجيران من أجل إنهاء الحرب، أو لقبول إيران ودمجها فى نظام إقليمى للأمن يمكن بناؤه بعد انتهاء العدائيات. سيكون كل هذا أبعد وأكثر صعوبة مع كل صاروخ جديد تقذفه إيران على بلد عربى، لكن هذا ليس غريبا فى الشرق الأوسط حيث يبصق الناس فى بئر يشربون منها.
تقول إيران إنها تضرب قواعد أمريكية فى دول المنطقة، متجاهلة التاريخ المعروف لهذه القواعد. لقد كانت بلاد الخليج الغنية قليلة السكان مطمعا للجيران الأقوياء، إيران والعراق. تبنى النظام الثورى فى إيران منذ قيامه سياسة تصدير الثورة. أشاعت إيران التوتر المذهبى فى بلاد المنطقة المتعددة الطوائف والمذاهب، واتخذت ذلك سبيلا للتدخل فى شئونها. لولا يقظة حكومات الخليج لوجدنا فيها مستنسخات من حزب الله والحشد الشعبي. كان غزو العراق للكويت نقطة تحول كبرى فى طريقة تناول دول الخليج لقضايا الدفاع والأمن. كان على دول الخليج إيجاد حليف يمكن الاعتماد عليه لردع اعتداءات الجيران المحتملة. ليس من العدل تعريض أمن دول الخليج لتهديدات جدية، ثم توجيه اللوم لها، ومعايرتها، لو قامت بما يمكنها القبام به للدفاع عن نفسها. لا أحد يحب القواعد الأجنبية، ولو أن دول الخليج تشعر بالأمن لما احتاجت لها.
إيران ليست هى المشكلة الوحيدة فى منطقتنا، فهناك قبلها إسرائيل الراغبة فى فرض نفوذها على المنطقة كاملة. فى زمن مضى كان هناك فى إسرائيل تيار قوى مؤيد للسلام مع الفلسطينيين والعرب، والاندماج فى شرق أوسط يتسع للجميع. لقد أصبح هذا شأنا من الماضى، وسوف يمر وقت طويل جدا حتى تكتمل دورة الزمن، ويعود هذا التيار للظهور مرة أخرى. حتى ذلك الوقت سيكون علينا التهيؤ للأسوأ ونحن نتعامل مع إسرائيل المحمولة على موجة يمينية متشددة عاتية وعالية، ترى أنه يحق لإسرائيل فرض سيطرتها على كل هذا الإقليم الواسع، فيما يقف على الجانب الآخر من الأطلسى من لا يرى بأسا فى هذا، ولنا فيما قاله السفير هاكابى نموذجا.
علمنا تاريخ الشرق الأوسط القريب أن انتكاسة كبرى تنتظر كل من رفع سقف الطموحات، وزين له خياله طلب الحد الأقصى من السيطرة على الجيران، والأمثلة معروفة. هذا هو المصير النهائى لمشروع السيطرة الإسرائيلية على الإقليم، لكن حتى يحدث ذلك فإن أثمانا غالية سيتم دفعها.
لن أشغل نفسى كثيرا الآن بالولايات المتحدة، فهى بالنسبة للشرق الأوسط قدر مكتوب لا قبل لنا به، وهى فاعل خارجى، يتلاعب بما تقدمه له المنطقة من فرص وثغرات. فى منطقتنا نقص مفرط فى العقلانية؛ وانفلات نادر للغرائز. يتعايش فى كل ركن فى الشرق الأوسط مزيج نادر من الشعور بالتهديد والاضطهاد والاستحقاق والتفوق والرغبة فى السيطرة والتسيد. فى منطقتنا أيضا عجز فادح فى إقامة الصلة بين الإمكانات والغايات، وبين الوسائل والأهداف، وإن كانت إسرائيل تبلى أفضل من غيرها بكثير فى هذا المجال. لو جمعت كل هذا معا فلن يكون غريبا مشهد حروب الشرق الأوسط التى لا تكاد تتوقف. ستنتهى الحرب الحالية فى وقت ما، لكن تاريخ الشرق الأوسط يعلمنا أن حروبا أخرى ستأتى بعدها. لم يمر عام واحد على الشرق الأوسط، طوال الخمسين عاما الأخيرة، بدون حرب أو أكثر فى مكان ما؛ وستتواصل الحروب ما بقيت أسبابها،
العرب هم قلب هذا الإقليم. ثلاثة أرباع المشاكل فى الشرق الأوسط سببها مشكلات عربية، فيما الربع الباقى ناتج عما يثيره التعثر العربى من طموحات وأطماع لدى جيران الإقليم من غير العرب. يتحمل العرب العقلاء مسئولية كبيرة لوضع حد لحالة الشرق الأوسط القابل دائما للاشتعال. على عقلاء العرب السيطرة على التطرف فى مجتمعاتهم، وعليهم طمأنة المخاوف المذهبية والطائفية. ستخرج إيران منهكة من هذه الحرب، وستكون مهيئة، ولو بعد فترة، للسير فى مسلك الاعتدال. علينا تشجيع هذا التوجه والتفكير فى أساليب لدمج إيران مسالمة فى المنطقة. مشكلتنا مع إسرائيل هى أننا لم نحسن الحرب ضدها، كما لم نحسن إقامة السلام معها. هذا هو الحال منذ حرب الرئيس السادات وسلامه، ولا مفر من أن نتعلم الأمرين معا. علينا أن نفكر فيما وراء أخبار الصواريخ والمسيرات التى أصبحت مملة مع أننا مازلنا فى الأسبوع الأول من الحرب.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية