تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
التحرر من أسر التاريخ
منحت مصر للعالم الهندسة والعمارة والطب والفلك والدين والإيمان والحياة الآخرة، لكنها لم تمنح العالم نظاما مثاليا للحكم يمكن للعالم التعلم منه. قدمت الحضارة العربية الإسلامية للعالم الكثير فى الدين والرياضيات والفلك والطب والفنون، لكن العرب والمسلمين لم يقدموا للعالم نموذجا للحكم والإدارة يمكن الاحتذاء به. قدمت الصين للعالم البارود والورق والبوصلة والطباعة. لم تقدم الصين للعالم دينا وحياة روحية، لكنها قدمت آدابا اجتماعية. قدمت الصين للعالم نظاما إداريا عالى الكفاءة، لكن لا يوجد شىء فى نظام الحكم والإدارة الصينية يفيد المشاركة والتعددية. لو كنت تبحث عن كفاءة الحكم والإدارة فستجدها فى الصين. لو كنت تبحث عن الحرية الفردية فلن تجدها هناك. قدمت اليونان القديمة للعالم الفلسفة والمسرح والديمقراطية. قدم الرومان تنظيم الجيوش كبيرة الحجم، والطرق المعبدة، والحكم الجمهورى والقانون. ليس مصادفة أن الموروث التاريخى اليونانى والرومانى مازال محسوسا بشدة فى البلاد المنتسبة لهذا الميراث. هذه كلها حضارات عظيمة لها ماض عريق ورائع. يبدو أن الماضى لديه القدرة على إعادة إنتاج نفسه بطريقة خفية. قد تفلح الأمم فى إعادة إنتاج ما سبق لها أن أنتجته فى عهود ازدهارها الأولى؛ أما مالم تقدمه فى عهود الازدهار المبكرة، فالأكثر ترجيحا هو أنها ستواجه صعوبة كبيرة لو حاولت تقديمه فى عصرها الراهن. إنه ثقل ميراث التاريخ ووطأته؛ فالماضى يحكم المستقبل إلى حد بعيد، وتاريخ الأمم أكبر بكثير من حكايات الأقدمين المسلية. قليلة هى البلاد التى تجاوزت ماضيها بشكل جذري. ينطبق هذا بشكل خاص على نظم الحكم، فالسياسة والحكم هما نقطة التقاء الثقافة والمجتمع، وهى العقدة التى تتلاقى عندها تيارات الفكر والثقافة والقيم، وقوى الاقتصاد والمجتمع. لكل مجتمع نصيب من تاريخه بدرجة تزيد غالبا عن تصوراتنا. لا يبدو الإنسان حرا تماما فى صنع حاضره. لا يمكن فهم الحالة الراهنة لبلد ما دون الرجوع إلى ماضى هذا البلد. قليلة جدا تلك البلاد التى استطاعت الفكاك من أسر تاريخها. قد يحدث هذا لو توافرت قوة دفع كبيرة جدا، لم تتح سوى لعدد قليل من المجتمعات. تصنيع اليابان لم يكن كافيا لتحديث نظامه السياسى شبه الإقطاعي. احتاج الأمر لهزيمة عسكرية ساحقة وقنبلتين نوويتين لتحرير اليابان من الموروث الاستبدادى.
تأتى البلاد الناجحة فى ثلاثة أنواع. هناك البلاد الحديثة، التى لا تمتلك سوى تاريخ قصير. ليس فى غياب التاريخ سبب للفخر، وإن كان غيابه يمنح الناس حرية كبيرة فى صنع حاضرهم ومستقبلهم. هناك نوع ثان من البلاد له تاريخ عريق، لكنه نجح فى الخروج من أسره بدرجة كبيرة، اليابان نموذجا. هذه هى النسبة الأقل والاستثنائية بين البلاد الناجحة. النوع الثالث، والأكثر شيوعا، هو بلاد نجحت فى توظيف الموروث والأنماط المستقرة تاريخيا من أجل إحداث انتقال كبير، الصين نموذجا. تندرج روسيا وتركيا أيضا ضمن هذه الفئة، حيث الحكم المركزى، والدولة القوية والمجتمع المطيع هى الطابع المميز لتاريخ هذه البلاد، ولحاضرها أيضا. القطيعة مع الماضى تبدو مطلبا صعب المنال. لم تكن مائتا عام من السعى وراء القطيعة فى مصر والعالم العربى كافية لإحداثها.
الطريقة التى يتصرف بها الفرد هى نتاج لثقافته. الثقافة هى إطار التفسير، وبوصلة التوجيه، ونظام التوقعات. لماذا تحدث الأشياء من حولنا بالطريقة التى تحدث بها، وما معنى تصرفات الآخرين، وما هى الطريقة المقبولة للتصرف فى المواقف المختلفة، وما هى ردود الأفعال المحتملة على تصرفاتنا. هذه هى الأسئلة التى تجيب عنها الثقافة، والتى بدونها يصبح المجتمع مستحيلا. التناسق والانسجام هو الطابع المميز لثقافات شرق وجنوب شرق آسيا. فى بلاد الغرب موروث ثقافى يعلى قيم الفردية والتنافس. المجتمع الرأسمالى والديمقراطية التنافسية تبدو مناسبة جدا للميراث الثقافى الغربى، فى حين طورت البلاد الناجحة فى شرق وجنوب شرق آسيا توليفات مختلفة من تعاون الدولة ورأس المال تحت سلطة دولة قوية. بالضبط مثلما كان الحال فى الماضى، لا تقدم هذه البلاد نموذجا سياسيا مبهرا، لكنها تقدم نماذج مبهرة فى التنمية والإدارة. أى كانت الصيغة التى يتم الأخذ بها، وأيا كانت التقاليد الثقافية الموروثة التى تمثل الإطار المرجعى والموروث الثقافى، فعلى كل البلاد اجتياز اختبار القوة والتنمية فى سياق عصرنا الراهن من أجل تحقيق نتائج متشابهة: التصنيع وكفاءة الإدارة من أجل التنمية وبناء قوة عسكرية واستقلال وطني. لا يمكن تحقيق هذه النتائج بمجرد الحفاظ على الموروث الاجتماعى والسياسى والثقافي. لا بديل عن إدخال إصلاحات تعيد تكييف الميراث السياسى والاجتماعى والثقافى ليلائم الحضارة الصناعية، عبر الأخذ بقدر معتدل من العلمنة والحداثة. هذا ليس بالأمر الهين دائما. الفارق بين بلاد ناجحة وأخرى فاشلة هو ما إذا كان البلد ينجح فى إحداث الإصلاحات اللازمة والملائمة فى المجالات المختلفة. الصين وتركيا وروسيا وفيتنام اليوم ليست هى نفسها ما كانت عليه قبل مائتى عام. لقد تم إدخال إصلاحات كثيرة على المجتمع والثقافة فيها، لكننا، رغم هذا، مازال بإمكاننا التعرف على الموروث الاجتماعى والثقافى فى الواقع المعاصر لهذه البلاد، ومازال بإمكاننا رؤية الصلة والشبه بين المجتمع المعاصر والميراث التاريخى فيها.
هل لهذا الاستعراض أى فائدة فى تطوير النقاش حول قضايا النهضة والتقدم فى بلادنا؟
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية