تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
اختطاف مادورو.. مجرد البداية
النتائج المترتبة على اختطاف الرئيس مادورو خطيرة وبالجملة. اختطاف رئيس فنزويلا يصنع سابقة خطيرة فى العلاقات بين الدول. لو أن كل دولة لديها قدر مناسب من التفوق العسكرى قامت باختطاف رئيس دولة جارة صغيرة مشاكسة، ووضعت مكانه حاكما مواليا لها، فسوف يجرى هرس الدول الصغيرة، ويدخل النظام الدولى فى مرحلة غير مسبوقة من عدم الاستقرار. تدخلت الولايات المتحدة فى فنزويلا ليس دفاعا عن مبادئ عليا، لكن من أجل الحصول على ما فى باطن الأرض من ثروات نفطية وغيرها. هذا هو ما قاله الرئيس ترامب ببساطة وبدون اعتذار. هذه الثروات تلزمنا، ولنا حق فيها لأنها تقع فى جوارنا ومجالنا الحيوي. أكاد أسمع الحجة نفسها تأتى من عواصم عدة، فى إشارة إلى ثروات تمتلكها دول صغيرة فى الجوار.
يتحدث الرئيس الأمريكى مرارا عن مبدأ مونرو، الذى أعلنه رئيس أمريكا جيمس مونرو قبل مائتى عام، معلنا فيه نصف الكرة الغربى منطقة مصالح أمريكية ممنوع التدخل فيها على القوى الكبرى الأخرى. استخدمت روسيا حجة مشابهة فى الدفاع عن الحرب الأوكرانية. لماذا تحرموننا من أن يكون لنا مبدأ مونرو الخاص بنا؟ للولايات المتحدة حقوق خاصة فى جوارها القريب، ونحن أيضا يجب أن تكون لنا حقوق فى الجوار القريب. المعاملة المتساوية للقوى الكبرى الرئيسية، هذه هى الترجمة الأكثر شيوعا للتعددية القطبية المقصودة. قد يتوافق الكبار على اقتسام العالم فيما بينهم، وقد يتصارعون على هذه المنطقة أو تلك، وفى الحالتين يتم دهس الصغار. فى عالم التسابق على الثروات الطبيعة الذى نعيش فيه سيتكرر ما حدث لفنزويلا مرارا فى المستقبل غير البعيد. بتمنى الكبار لو أن مجرد التلويح بمصير فنزويلا يكفى لفرض الانصياع على الصغار دون حاجة لتدخل فعلى، لكن يظل السيف مسلطا على الرقاب مالم يأت التلويح بالنتيجة المطلوبة.
لعقود طويلة نصبت الولايات المتحدة نفسها شرطيا للعالم. الولايات المتحدة هى الدولة الأكثر إسهاما فى صنع النظام الدولى الذى عشنا فى ظله منذ الحرب العالمية الثانية. نظام دولى تحكمه قواعد وضعتها أمريكا، التى عينت نفسها شرطيا لضمان تنفيذ هذه القواعد. لم يكن الشرطى الأمريكى محايدا أو نزيها تماما، لكنه كان شرطيا على كل حال. حتى فى عالم الدول فإن وجود شرطى فاسد أفضل من عدم وجود أى شرطي على الإطلاق. ما يحدث الآن هو استقالة الولايات المتحدة من وظيفة شرطى النظام الدولى. لكن القوة الأمريكية الهائلة مازالت موجودة، ومالم يتم استخدامها لتطبيق قواعد النظام، فسوف يتم استخدامها لانتهاك هذه القواعد نفسها. من الشرطى إلى البلطجي. هذا هو مغزى التحول الراهن فى السياسة الخارجية الأمريكية، وهذا هو مغزى عقيدة أمريكا أولا التى يرفعها الرئيس ترامب عنوانا لبرنامجه السياسي. يرى الرئيس ترامب أن قواعد النظام الدولى قيدت حرية حركة أمريكا فى استخدام قوتها لتحقيق مصالحها. الدول المنافسة تسبق الولايات المتحدة صناعيا واقتصاديا وتكنولوجيا، والدول الصغيرة تتحدى الولايات المتحدة، فيما تبقى اليد الأمريكية مغلولة بسبب قواعد ألزمت نفسها بالتمسك بها. لتذهب القواعد إلى الجحيم، ولتظهر الولايات المتحدة للعالم ما هى قادرة عليه.
ما حدث لفنزويلا خطير جدا، لكن ردود الأفعال الدولية إزاءه لا تتناسب وحجم الحدث. لا يريد الكبار توتير العلاقات فيما بينهم. الأهم من هذا هو أنهم يجدون فيما حدث فرصة لا يجب تفويتها للتصرف بطريقة مشابهة مع جيرانهم المشاكسين.
الدول الصغيرة صمتت تماما لتجنب إغضاب الوحش الأمريكى، باستثناء احتجاجات خافتة صدرت عن جيران فنزويلا فى أمريكا اللاتينية. كتبت الجغرافيا على هؤلاء الوقوع فيما تعتبره أمريكا مجالها الحيوى، وعليهم معايرة مواقفهم بميزان دقيق. قيود المسئولية تفرض على الحكومات التصرف بحكمة، لكن غطرسة الكبار ستتسبب فى المدى الأبعد فى ظهور حركات مقاومة لها أيديولوجيات وأساليب راديكالية قد لا تخلو من عنف. العنف المستخدم فى إزاحة رئيس فنزويلا يمنح شرعية لنوعين من العنف: عنف تمارسه دول كبرى ضد أخرى صغيرة، ومقاومة عنيفة تمارسها الشعوب ضد الاستعمار العائد.
موقف الاتحاد الأوروبى هو أكثر المواقف إثارة للشفقة. عبر الأوروبيون عن ضرورة التمسك بقواعد القانون الدولى، خاصة من جانب الأعضاء الدائمين فى مجلس الأمن. هذا موقف مبدئى جيد.
انتقد البيان الأوروبى الطبيعة الاستبدادية لنظام الحكم فى فنزويلا، ودعا إلى تمكين الشعب فى فنزويلا من انتخاب حكومة ديمقراطية. هذا كلام مقبول لو أن الولايات المتحدة تدخلت فى فنزويلا لإقامة نظام ديمقراطي. مصطلحات الديمقراطية والحقوق والحكم الرشيد لم تعد تظهر فى الخطاب الأمريكي. اعتقلت القوات الأمريكية رئيس فنزويلا، وتركت الحكم فى يد نائبته. الولايات المتحدة تريد النفط، وسترضى باستمرار ما بقى من نظام الرئيس مادورو، وهو كثير، مقابل ذلك.
هذا هو موضوع الصراع الذى تجاهله بيان الاتحاد الأوروبى. المشكلة التى ستواجه الأوروبيين هى أنهم لن يستطيعوا مواصلة الكلام «برة الموضوع» عندما تزداد حدة الحملة الأمريكية لوضع يد الولايات المتحدة على جزيرة جرينلاند التابعة للدنمارك، العضو فى الاتحاد الأوروبى وحلف الناتو. يقول الأمريكيون إن جرينلاند تلزمهم، بالضبط كما يلزمهم نفط فنزويلا، وفى الحالتين ليس للأمر علاقة بالديمقراطية التى تحدث عنها الاتحاد الأوروبى.
هذه بداية لمرحلة فوضى دولية شديدة الخطورة.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية