تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > جلال عارف > بترول فنزويلا.. و«الاحتلال عن بُعد»

بترول فنزويلا.. و«الاحتلال عن بُعد»

بسرعة فائقة توارت الاتهامات المتعلقة بالمخدرات أو الديمقراطية، ولم يبق إلا ملف البترول حاكماً للموقف بعد العدوان الأمريكى على فنزويلا واختطاف رئيسها مادورو، بقى النظام القديم فى فنزويلا وتصاعدت المحاولات الأمريكية لإجباره على وضع الثروة البترولية فى عهدة أمريكا ورهن قرارها.

ورغم تبنى إدارة ترامب لسياسة انعزالية يفترض أن تركز على الداخل إلا أن ذلك لم يمنع الإعلان الرسمى أن فنزويلا ستظل تحت ادارة أمريكا وأنها لن تكون الأخيرة على طريق التوسع والهيمنة.

وفى الوقت الذى يقوم فيه الرئيس ترامب بإصدار قرار الانسحاب من ٦٦ منظمة دولية نحو نصفها تابع للأمم المتحدة، فإنه يعلن بثبات أنه هو وحده من سيتحكم فى إيرادات بترول فنزويلا.. وإلى أجل غير مسمى.

لا يأبه ترامب بالانتقادات التى جاء بعضها من أقرب أنصاره، داخل الحزب الجمهورى الذين يربطون «عظمة أمريكا» كما يتصورونها بالتركيز على الداخل الأمريكى والابتعاد عن التورط فى حروب خارجية، يلوّح ترامب بأن حربه فى فنزويلا وما يتبعها من حروب تختلف، وأن الهيمنة على بترول فنزويلا تعنى الكثير لاقتصاد أمريكا..

ويراهن ترامب على أن بترول فنزويلا هو «المنقذ» له وللجمهوريين فى انتخابات نوفمبر القادم التى كانت كل التقديرات تؤكد أنها ستكون فى صالح الديمقراطيين..

وأنها ستغير الموازين فى مجلس الشيوخ والنواب ليتحول ترامب فى منتصف ولايته إلى «بطة عرجاء» إذا فقد الأغلبية فى أحد المجلسين، والى «بطة كسيحة» إذا فقد المجلسين معاً، ترامب نفسه ـ وفى عز معركة غزو فنزويلا ـ حذر أنصاره فى الحزب الجمهورى بأن الخسارة فى نوفمبر سوف تعنى عزله.

ربما يبالغ ترامب بعض الشىء لاستثارة حماس أنصاره، ولتبرير الخروج على تعهداته لهم بعدم التورط فى حروب خارجية، يعرف ترامب ويعرف الجمهوريون ان حصاد السنة الأولى من الولاية الثانية لترامب كان ثقيلاً على المواطن الأمريكى الذى يواجه ارتفاعاً فى التضخم وفى الأسعار، والذى يتحمل العبء الأكبر لحرب الرسوم الجمركية التى شنها ترامب على الجميع.

يقول ترامب لأنصاره إنه مستمر فى سياسته الأساسية تجاه العالم، فيصدر قرار الانسحاب من ٦٦ مؤسسة دولية ويقطع صلة أمريكا بها، ويحاول بيع العدوان على فنزويلا بأنه «صفقة آمنة» لا ترهق ميزانية أمريكا ولا تغامر بأرواح جنودها، بل تؤمن الهيمنة على ثروة بترولية هى الأهم بالنسبة لأمريكا التى يطمع الجمهوريون فى استعادة مجدها.

ورغم الجهد الكبير فى محاولة تسويق عملية فنزويلا، فإن استطلاعات الرأى تقول إن التأييد لها يظل ما بين ٣٢ و٣٦٪ بينما يعارضها ٤٦٪ من الأمريكيين.

ولا شك أن نسبة المعارضين سترتفع بعد الصدام مع روسيا على خلفية السيطرة الأمريكية على شاحنة البترول الروسية فى تطور خطير ينسف الادعاء بأن «العملية آمنة» وأنها لن تتطور إلى إرسال قوات أمريكية لاحتلال فنزويلا أو الى صدام مع القوى الكبرى المنافسة، وأنها ستظل فى خانة «الاحتلال عن بعد» إذا صح التعبير، وبأقل تكلفة وبأثمن الأرباح الاقتصادية والسياسية.

الآن.. ترتفع الأصوات التى تؤكد أن من يبدأ الحرب لا يتحكم فى نتائجها، وأن هدف السيطرة إلى أجل غير مسمى على بترول فنزويلا لا يمكن أن يتم إلا بسيطرة عسكرية كاملة من جانب أمريكا، وأن العودة لسياسة «الهيمنة» لا تعنى -رغم أى احتياطات- إلا الصدام الحتمى مع القوى الكبرى بما فيها القوى الحليفة (مثل أوروبا) التى تواجه الآن التهديد بضم «جرينلاند» ونسف حلف الأطلنطى!

وتبقى الذاكرة الأمريكية محتفظة بأسوأ الذكريات عن حروب أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية والتى لم تحقق فيها نصراً واحداً يمكن الإشارة إليه، والتى كلفتها الكثير ـ بشرياً ومادياً ـ وانتهى معظمها بالإقرار بالفشل أو مشاهد الانسحاب المشين..

هكذا كان الأمر من فيتنام وحتى افغانستان التى كان قرار الانسحاب منها بتوقيع ترامب نفسه فى ولايته الأولى.. وإن كان التنفيذ قد تم فى عهد سلفه بايدن فى مشهد لا يريد الأمريكيون بالقطع أن يروا تكراراً له بالقرب من حدودهم إذا استمر التورط فى سياسة «الهيمنة» وإذا ظل الاعتقاد بأن «الاحتلال عن بعد» يمكن أن يحقق لأمريكا كل ما تريد دون أن تدفع الثمن الذى تدفعه فى النهاية كل قوة احتلال تنتهك الشرعية وتخاصم التاريخ.
فى البدء والنهاية.. لا يوجد «احتلال آمن» وتبقى الثروات الوطنية ملكا لأصحابها، وكل ما عدا ذلك باطل.. ومدان.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية