تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

«أطفأها الله»

أطفأ الله نار الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، التي فى لحظة ذروة كادت أن تعصف بالأمن الإقليمى، وتضاعف من ارتداداتها الأمنية والاقتصادية، على المشرق العربى ومحيطه الجيوسياسى، والعالم الذى يعانى آثارًا سلبية للحرب العبثية على سلاسل الإمداد وأمن الطاقة.

وضعت الحرب أوزارها مؤقتًا، بإعلان أمريكا وإيران وقف إطلاق النار، بين الجانبين، لمدة أسبوعين بشرط فتح فورى وكامل وآمن للملاحة فى مضيق هرمز، يتخلل الهدنة بدء مفاوضات أمريكية إيرانية فى العاصمة الباكستانية إسلام آباد، للوصول لاتفاق نهائى وسلام طويل الأمد.

وأتساءل متى تضع الحرب أوزارها؟ والإجابة: عندما يحسم أحد أطرافها المعارك بالنصر، أو عندما يعجز الطرفان عن حسم خلافاتهما وتحقيق أهدافهما بالقوة العسكرية، وعندها تكون مائدة المفاوضات هى الطريق لتحقيق الأهداف والسلام الدائم.

وفى هذه الحرب ذهب الرئيس دونالد ترامب، فى تهديداته إلى مدى غير مسبوق فى العصر الحديث، للضغط على القيادة الإيرانية للاستسلام وتحقيق أهدافه بالقوة العسكرية، فقد حبس العالم أنفاسه مساء الثلاثاء حتى الساعات الأولى من فجر الأربعاء، مع بدء العد التنازلى للمهلة الزمنية التى منحها لإيران قبل أن يوجه قصفًا تدميريًا للبنية التحتية الإيرانية تعيد البلاد للعصر الحجرى بحسب تعبيره، وتقضى على الحضارة الإيرانية، وقوبل ذلك بتهديدات إيرانية بأن الرد سيكون غير مسبوق.

خرج الرئيس دونالد ترامب معلنًا تعليق قصف إيران لمدة أسبوعين، ووقف إطلاق النار من الجانبين، وقبول عشرة مقترحات إيرانية بوساطة باكستانية كأساس، للتفاوض للوصول لاتفاق نهائى يحقق سلامًا طويل الأمد.

ومع الترحيب الحذر، بوقف إطلاق النار، والأمل فى تثبيت الهدنة، لاجتياز المفاوضات المباشرة، للوصول إلى اتفاق عادل نهائى يحقق السلام ويضمن الحقوق المشروعة لدول المنطقة، فإنه من المهم جدًا النظر بعمق لدروس الحرب، والمواقف، ومجريات الأحداث واحتمالاتها، للعمل على اتخاذ التدابير اللازمة لضمان الأمن والسلم الإقليمى والعربى.

أولى دلالاتها، أنه رغم الجهود المضنية للوسطاء، خاصة الرباعية التى ضمت مصر وباكستان وتركيا والسعودية، إلا أن عاملًا هامًا لقبول ترامب وقف إطلاق النار، يكمن فى عجزه عن حسم المعركة عسكريًا، ورد الفعل الرافض عالميًا وداخل أمريكا ذاتها لما أطلقه من تصريحات حول تدمير الحضارة الإيرانية واستهداف البنية التحتية المدنية.

الأمر الثانى: مطالب إيران تمثل أهدافًا استراتيجة تحقق مكاسب سياسية واقتصادية طويلة المدى، تبدأ بوقف دائم لإطلاق النار وضمانات دولية لعدم تكرار العدوان الأمريكى الإسرائيلى، ووقف الحرب على كافة الجبهات بهدف حماية الأذرع الإيرانية والحلفاء، خاصة حزب الله فى لبنان، وإلغاء العقوبات الأمريكية ما يسمح باستلام إيران ودائعها المالية فى البنوك الأجنبية، وفرض رسوم تتقاسمها مع سلطنة عمان مقابل عبور السفن لمضيق هرمز، ومن ثم الهيمنة على الممر وتوفير دخل دائم تستعيض به إيران عما طالبت به من قبل من تعويضات إعادة الإعمار.

وهنا مع ما تكبدته أمريكا من خسائر وما تكبدته إيران، وما تكبدته إسرائيل، وما ارتكب من عدوان بحق الدول الخليجية الشقيقة، وما تكبدته دول المنطقة والعالم من خسائر اقتصادية؟ يُطرح سؤال.. إذا كان السلام هو الخيار الأول والأخير، فلماذا لجأت أمريكا وإسرائيل للعدوان العسكرى؟ 

الإجابة تكمن فى سوء التقدير الأمريكى المنساق خلف تقديرات إسرائيل المضللة، فكان هدفهما المعلن منذ اللحظة الأولى للحرب، إسقاط النطام الإيرانى ظنًا منهما أن اغتيال القيادات يمكن أن يساعدهما وعملاءهما فى تحريك الشارع لإسقاط النظام، وفشلوا فى ذلك، ومن ثم ما دونه من خسائر المعركة بالنسبة للنظام الإيرانى يمكن تعويضه، لذا خرج الجميع ليعلن الانتصار.

والمدقق يخلص إلى أن مصر منذ البداية وقبل اندلاع الصراع المسلح حذرت وسعت لدى جميع الأطراف، لاتخاذ الخيار التفاوضى سبيلًا لإنهاء الخلافات لتجنيب كل الأطراف والمنطقة والعالم ويلات الحرب، وهو ما أكده الرئيس عبدالفتاح السيسى فى أكثر من محفل بيد أن نصائح مصر لم تجد آذانا مصغية.

ولم تتوقف مصر مع اندلاع الصراع المسلح، فبذلت جهودا مضنية لخفض التصعيد، والحيلولة دون توريط الدول الخليجية فى مواجهة مسلحة، مع الرفض القاطع للعدوان على الأشقاء وتقديم كل الدعم لهم.

وقد بدأت مصر جهود الوساطة الرباعية بالشراكة مع باكستان والسعودية وتركيا، وفجر أمس غرد باراك رافيد مراسل موقع أكسيوس الأمريكى المقرب من البيت الأبيض، على حسابه عبر موقع «x»، مؤكدًا أن مصر لعبت دورًا محوريًا فى الكواليس الخاصة بالتوصل لاتفاق بين أمريكا وإيران». 

ومع ترحيب مصر بالتطور الإيجابى عبر وزارة خارجيتها، ومن خلال تصريحات الرئيس عبدالفتاح السيسى على صفحته الرسمية، داعيًا الله عز وجل أن يكلل ذلك التطور الإيجابى باتفاق دائم لوقف الحرب فى المنطقة واستعادة الأمن والاستقرار فيها، وتحقيق ما تتطلع إليه شعوبها من تنمية وازدهار فقد بعث الرئيس السيسى برسالة بالغة الأهمية.

فقد جدد الرئيس عبدالفتاح السيسى التأكيد على «دعم مصر الكامل وغير المشروط لدول مجلس التعاون الخليجى والأردن والعراق الشقيقة فى هذه الظروف الدقيقة، وأهمية أن يراعى أى اتفاق الشواغل والمتطلبات الأمنية المشروعة لها». 

وهنا مصر تلفت الانتباه إلى ضرورة أن يتضمن أى اتفاق تخلص إليه المفاوضات إلى ما يضمن أمن دول الخليج والأردن والعراق التى تعرضت لقصف خلال الحرب، فكما كانت نظرة مصر ثاقبة حكيمة مستنيرة مخلصة دائمًا قبل وأثناء الحرب، تنبه الآن حفاظًا على محددات الأمن القومى العربى.

ثمن الرئيس السيسى أيضًا «قرار الرئيس ترامب فى الإصغاء إلى صوت العقل، وإعلاء قيم الإنسانية والسلام، داعيًا كل الأطراف للانخراط بجدية فى المباحثات، وصولًا للسلام الدائم والتعايش السلمى بين شعوب المنطقة والعالم».

ويشدد الرئيس عبدالفتاح السيسى على أن مصر قيادة وشعبًا ستواصل بذل كل جهد مخلص وصادق لدعم الأشقاء فى الخليج والأردن والعراق بهدف إنهاء الصراعات وإرساء السلام العادل والشامل فى منطقتنا والعالم بأسره.

من أين جاءت مصر بهذه الحكمة وتقديرات الموقف المستنيرة المخلصة؟ 

الحقيقة أن مصر فى اللحظات الفاصلة من عمر المشرق العربى والعالم، وقفت ولا تزال ممشوقة القوام، انطلاقًا من جذور حضارتها الضاربة فى عمق التاريخ سبعة آلاف عام، تنبع مواقفها من إدراك حجمها ودورها وعصارة حكمة الحضارة، التى استخلصتها من التجارب والأحداث المتعاقبة على عقود من الأجيال.

مصر تتمسك بتلابيب السلام، تستثمر فى أمنها وقدرتها الشاملة، تدرك أبعاد ومحددات أمنها القومى والمتداخل مع دوائر الأمن القومى العربى والإسلامى والإفريقى والإقليمى، تدرك أن منتهى الصراعات إلى مائدة المفاوضات، وقدرة الردع أهم من الانخراط فى الصراع ذاته.

■ ولذلك دائمًا ما تدعو مصر دول الخليج لبناء قوة ردع عربية للحفاظ على الأمن القومى العربى ذاتيًا، وها هى الحرب الأخيرة أثبتت للدول العربية أن القواعد العسكرية الأجنبية مصدر تهديد لا حماية، فهل سيدرك العرب ما فاتهم؟!

■ السلام أمل منشود وتسعى إليه مصر دائمًا لكن مع وجود قوى ذات أطماع إقليمية وفى مقدمتها الاحتلال الصهيونى، فإن تعزيز القدرة الشاملة المصرية عسكريا واقتصاديًا وسياسيًا كفيل بردع من تسول له نفسه الإضرار بالأمن القومى المصرى أو العربى.

■ استثمار الدول فى القدرة البشرية والعلم درس بالغ الأهمية، فجمهورية إيران رغم حصارها وصراعاتها على مدار 47 عامًا، استطاعت بناء كوادر بشرية وعلماء وامتلاك تكنولوجيا نووية وصناعة الصواريخ والمسيرات والسلاح ما مكنها من امتلاك قوة ردع فى مواجهة أعتى قوة عالمية ومعها إسرائيل، رغم ما كشفته الحرب من اختراقات.

استثمار مصر فى السلام والقدرة الشاملة 

لا شك أن الجميع رأى كيف ماجت المنطقة بالصراعات الدامية، والخسائر الفادحة، فى حين كانت مصر رغم الضغوط الاقتصادية واحة للأمن والسلام، مجالها الجوى مقصد للخطوط الجوية العالمية، وكلمتها مسموعة فى مختلف المحافل الدولية، وعلاقاتها الدبلوماسية منطلقة من قاعدة التوازن الاستراتيجى، التى دفعت روسيا إلى السعى لاستثمار الأمن المصرى والبنية التحتية من موانئ ومناطق لوجيستية ومخازن الحبوب والغلال، لتصبح مصر مركزًا لوجيستيًا عالميًا لتجارة الغذاء والطاقة.

وفى اليوم التالى لزيارة الدكتور بدر عبدالعاطى وزير الخارجية المصرى إلى روسيا، تلقى الرئيس عبدالفتاح السيسى اتصالًا هاتفيا من الرئيس الأوكرانى فلوديمير زيلينسكى، الذى تطرق لملفات عدة، من بينها المجالات التجارية الاستثماريّة فى الأمن الغذائى واستكشاف فرص جديدة للتعاون المشترك.

هذه الحرب فى المنطقة عكست أهمية مصر الجيوسياسية والاقتصادية، بما تتمتع به من إمكانيات عظمتها البنية التحتية والقدرة على تحقيق الأمن والاستقرار وهنا تصبح مصر قبلة للاستثمار الآمن ومركزًا لوجيستيًا للطاقة، ومؤخرًا أعلنت شركة «إيني» الإيطالية الثلاثاء الماضى اكتشاف حقل جديد للغاز فى البحر المتوسط، على سواحل مصر الشرقية، تقدر احتياطياته بنحو تريليونى قدم مكعب من الغاز، وهناك العديد من الشركات العالمية التى وجدت فى مصر فرصة استثمارية كبيرة فى مجال الطاقة.

والأهم حكمة مصر، وصدقها فى دعمها للأشقاء ومساعدتهم على احتواء أزماتهم واستعادة قدرة مؤسساتهم الوطنية بشرف وأمانة، وهو ما ظهر أثره فى الاتفاق المصرى الليبى لاستيراد وتكرير بترول ليبى فى مصر، وردود فعل الشعب الليبى الإيجابية السعيدة بهذا التعاون.

وهنا يتضح معنى قيمة مصر التى تدعم الأشقاء والأمن القومى العربى واستعادة قوة الدولة الوطنية بكل إخلاص وصدق، رافضة أى تدخلات خارجية فى الدول العربية التى تشهد خلافات أو صراعات.

مصر تستثمر فى الأمن والسلام والاستقرار، وهذا أعظم استثمار، اليوم ربما يدرك الجميع أهمية ما أنفقته مصر لتنمية بنيتها التحتية وتعظيم قدرتها الدفاعية، ودعم الأشقاء الذين شهدت بلدانهم هزات لاستعادة قوة الدولة الوطنية، لعل الأشقاء العرب يشاركون مصر فى تعزيز القدرة العربية الشاملة التى تتعاظم بقوة الدول العربية منفردة وبتعاونها مجتمعة.

حفظ الله مصر والأمتين العربية والإسلامية والإنسانية..

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية