تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
هذا «البيت» لا تدخله الصحف!
اعتاد قراءة الجريدة كل يوم قبل أن يذهب إلى العمل، وإذا لم يقرأ خمس جرائد فى عطلة نهاية الأسبوع يفقد بوصلته واتزانه طول النهار. وفجأة قرر أن يضع على بابه لوحة (هذا البيت لا تدخله الجرائد). فوجئ صديق للعائلة بهذا القرار فسأله: لماذا؟.. وضع رب البيت أصبعه على شفتيه وأشار بعينيه جهة أطفاله، وهمس: هس س س!.
وبعد أن خرجوا للعب فى الحديقة، مال على صديقه وأجاب: لدى ثلاثة أطفال، الأكبر فى الصف الثانى، والبنت فى الأول، والثالث لم يذهب إلى مدرسة بعد.
ذات ليلة سأل ابنى الأكبر جدته: ما معنى «استربتيز» يا جدتى؟ نهرته بشدة... واتهمتنا جميعاً بقلة الحياء. فجاءنى الولد بالجريدة وسألنى عن معنى «استربتيز»... وفى أثناء حيرتى فى الإجابة، أشار ابنى الصغير إلى صورة بنت بالصحيفة تنثنى إلى الخلف حتى يلامس شعرها الأرض وسألنى: لماذا تخلع النساء ملابسهن؟.
وسألتنى ابنتى التى بالكاد تفك الخط: ما معنى فتاة للإيجار؟ ملأ الخجل وجهى، فعاودت البنت سؤالها: ماذا يفعلون فى بيت الدعارة يا أبى؟ سألتها بفزع: أين عرفت ذلك؟ أشارت إلى إعلان بنفس الصفحة. وحين تلكأت فى الإجابة؛ حملت بنتى الجريدة وسألت أمها: ما معنى أن طريق شهرة النجمة لابد أن يمر بفراش المخرج، هل بسبب البرد؟.. وعندما همت زوجتى بضرب طفلتنا بسبب أسئلتها، خلصتها من يديها بصعوبة، وقررت منذ ذلك اليوم إغلاق الباب الذى تأتى منه الأسئلة الخادشة للحياء، ورفعت شعار: هذا البيت لا تدخله الصحف، واكتفيت بقراءتها فى المكتب أو قراءتها سراً بعد أن ينام الأطفال!. تذكرت وقائع هذه القصة للأديب التركى عزيز نسين، وترجمة الدكتور الصفصافى القطورى، الصادرة عن هيئة قصور الثقافة، وأنا أشاهد ما يُثار الآن من تساؤلات تحيط بمحتوى الصحافة فى عصر الإنترنت، وتسابق بعض الصحف فى الهبوط وراء «الترند»، ففشلت رسالتها فى البيوت، كما فشلت فى الحياة العامة.
أصدق مثال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران المشتعلة الآن فى الخليج؛ تغيب أحداثها عن عيون مراسلى الصحف المحترفين، ووقع القراء والمشاهدون أسرى المعلومات الموجهة لتسويق العدوان، وتحول طاولة التفاوض مع الأمريكيين إلى كمائن صهيونية لاصطياد المفاوضين الإيرانيين!.
سألت مرة الأستاذ عاطف الغمرى، مراسل الأهرام فى لندن وواشنطن، فى أثناء إعدادى بحث الدكتوراه موضوعها: ماذا يضيف وجود المراسل الصحفى فى ميدان المعركة وغرف المفاوضات فى زمن توافر البث المباشر؟ فأجابنى يرحمه الله: أن المراسل الصحفى فى أى ميدان ليس مجرد كاتب وشاهد أمين، بل أحياناً جندى فى الخطوط الأمامية للمواجهة العسكرية أو الدبلوماسية، ودوره يبدأ من إيمان أطراف الحدث بحق القارئ فى المعلومات الصحيحة والتحليل الرشيد.
ما جعل عمرو موسى، وزير الخارجية عام 1994، يصدر تعليماته إلى أعضاء البعثة الدبلوماسية أن يستشعروا نبض توجهات السياسة المصرية من التقارير والرسائل التى يكتبها مراسل الأهرام، بل كان يطلب منى أن أثير بعض القضايا فى المؤتمرات الصحفية - أحدها مع مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية - لإلزامها أمام الصحافة بما قالته فى الغرف المغلقة!
لكن الدنيا تغيرت عام 2023، فكشفت دراستى التحليلية عن «القيم الخبرية فى الصحافة المصرية» أن المادة الخبرية فى الصحف الرقمية تعتمد بنسبة 50.2% على «مصادر إعلامية أجنبية» يليها فى الترتيب الثانى «مصادر مصرية» بنسبة 35.4%. والأخطر أن 10% فقط من الأخبار الخارجية ترد من المراسل الخاص للصحيفة، بينما 90% من التغطية الخارجية تعتمد على ما تنشره الصفحات الإلكترونية للصحف وتغريدات المسئولين الأجانب، و«تقارير صحفية» مجهلة!. وحملت هذه الإحصاءات إلى الدكتور حماد إبراهيم، أستاذ الصحافة بجامعة القاهرة؛ فكان تحليله: إنها مؤشرات تنذر بمرض مهنة الصحافة، وضبابية رؤيتها الخاصة على الأحداث، لأن أمانة المراسل الأجنبى ونزاهته لاتكفى لصلاحية تحليلاته للنشر - ولو كان فى موسوعية وأمانة روبرت فيسك أو إنسانية مارى كولفن التى ماتت وراء الحقيقة فى سوريا - لأن المراسلين الأجانب ينتقون زوايا القضايا من وجهة نظرهم، والتى قد لا تتفق بالضرورة مع أجندة الصحيفة والمصلحة الوطنية المصرية. ويؤكد ما قاله دكتور حماد قتل المراسلين الصحفيين فى غزة ولبنان برصاص الاحتلال الاسرائيلى، واختفاءهم من ميادين الحرب «الأمريكية - الصهيونية» الحالية على إيران وميادين اشتعال الفتنة فى الخليج، على الرغبة المحمومة فى تزييف الأحداث واختلاق المبررات!.
والنتيجة أن الحقيقة وراء الحرب المشبوهة ماتت فى الصحف يوم منع المراسل المحايد المحترف من متابعة أحداثها، ويوم احتجز وعى القراء المتحدثون العسكريون وكتائب الذكاء الاصطناعى، والفضائيات الموجهة ووكالات الأنباء الغربية، ويوم لفق «الصهاينة» اكاذيب معتادة لقتل 170 طفلا بمدرسة «الشجرة الطيبة» جنوب ايران، ويوم احتكر القول الفصل تصريحات وتغريدات «مستبد» استمرأ البحث عن صفقات وغنائم فى خرائط الآخرين!
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية