تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

سيدة «العطف» الشريف!

العطف فى اللغة يعنى الميل، وأول حروف العطف الـواو تفيد المشاركة بين المعطوف والمعطوف عليه، لكن لا تفيد الترتيب والارتقاء والمكانة الا عند سيدة حرف العطف الشريف سناء البيسى.

 

فـالواو السابحة بين مترادفاتها لا تفيد تساوى التابع والمتبوع، لكن تفيد تصاعد المعنى وارتفاع البناء، فتصير الكلمات بعد واو العطف نسقا وسكنا وقصرا وحدائق وفاكهة مما يشتهى القراء، وإذا كان ابن هشام قد عدَّ للواو خمسة عشر معنىً فى كتابه الممتع «مُغنى اللبيب عن كُتب الأعاريب» وفصَّل فى أحوالها وصال وجال، فإن كتاب الحرف الشريف قد جعلنى بلغته الحرير أحصر هذا المقال على استخدامها واو العطف لتأكيد الالتصاق والبيان والأنساق!

وخلال جولتى فى الحرف الشريف منذ صحافة النقش بالازميل الفرعونية الى مقبرة الأفيال وكل من قال مبارك ومبروك والله يبارك فيك، مروراََ بصحافة السادة اصحاب الريادة والطهطاوى وقائم مقام الثقافة وعروس النيل ونعماته وسهير القلم والكتاب وشباب الحب وشاباته، جالت بنا «الست» بين عشاق الكلمة من قبل الزمان وزيدان والتابعى والزول الطيب وعطا الله «كلن كلن».. وفقى الجامع والجامعة، والحب فى عش النمل وسيرة وجع بعد مايناموا العيال، تدادى القريب وتناجى الحبيب تتأقلم وتتعلم فتضىء، وصفحات كأوراق الورد، رحلت مع وفد رفيع المستوى وتركت لنا طاقة نور إيجابية نحو كل أبطالها ويبطل العجب وينكشف السبب لأن سناء البيسى لم تر فى أقمارها رغم العزل وممنوع اللمس إلا جانبه المضىء المواجه للشمس!

هكذا يجب أن تكون الكتابة عن الناس للناس، الذين رفعوا لصاحبة الجلالة عرشها فكانت جنة لا نسمع فيها لغوا ولا فضيحة ولا تجريحا مما نقرؤه فى «ميديا الفيس» هذا الزمان!

شرفتُ مرة بصوتها فى تليفونى فرددتُ ملهوفا فقالت: دوختنى يا حبيبى وهذه نمرة جمال الغيطانى عاوز يشكرك على مقالك اليوم، واتصلتُ بعاشق المعمار والعمار طائرا، فوجدت فكرته عنى من الست سناء كأنى «أبو زيد الكتابة سلامة»، لمجرد فهمى فلسفة الترفع عند نجيب محفوظ.

هذه قيم الست ولا جديد.. تعهدت لقارئها فى مفتتح الحرف الشريف الذى أهدته إلى علاء ثابت رئيس تحرير الأهرام: عندما يعانق القلم الأوراق تتفتح الأبواب ويملى الإلهام الذى ظننته مسافرا ويتسيد الموضوع الذى ظننته غائما ويحضر الغائب ليقيم ويجر الوصف شقيقته والجملة مرادفاتها والتفاصيل حدودها والمقتبس مصدره والذكريات، والأماكن أركانها والإيجاز دقته والسرد وقفاته والنقاط محطاتها والنقد حنانيه.. والدهشة واجبه!

ويبلغ بها تقديس لغة الضاد رونقه، فتتعجب من قوم وصفهم المولى بـ «خير أمة» وأهداهم قرآنا عربيا فلا يعقلون، ولا يحافظون عليها كما فعل الفرنسيون، فاحترموا لغتهم فى أسماء الشوارع والميادين وقوائم الطعام واسماء المحلات ونشرات الأدوية، وعلى عكس ما فعل الفرنسيون فعلنا، فالمستقبل مدهون بالإنجليزية بعدما أصبح خريج المدارس الاجنبية من علية القوم ومن عليه العين ولم يعد المواطن المصرى يشعر بقيمته إذا ما تكلم لغته، وأصبحت العربية تشعره بالعار والدونية، حتى الطبيب يشرح المرض ويصف الدواء بالإنجليزية، والست سناء تتعجب بصريح العبارة: نحن حينما انهزمنا حضاريا انهزمنا ايضا لغويا، فاعوجاج اللسان من اعوجاج الحال، يا أمة ابن حزم وشوقى والسياب، بدون التمسك بالحرف الشريف، يجهلونكم كما قال نزار خارج السرداب، ويحسبونكم من الذئاب، ورغم ما جرى ويجرى من فحت وردم وهدم للغة الضاد فلم يزل على الساحة فرسان يأخذون بيدى الفصحى فى الكتابة والصحافة لتبقى ملاذ وقومية ودينا وشخصية.

بالحرف الشريف أكدت الوردة البلدى المصرية أنها ليست قديمة وما زالت عفية.. فتاة جامعية، دفعها الهيام إلى حد الوله بالصحافة، وتمكنت فى فترة التدريب بأخبار اليوم وانتقالها للأهرام وبناء نصف الدنيا من الحديث مع من يشار إليهم بالبنان: قال لها توفيق الحكيم وسألت طه حسين، وأجابها عبدالرحمن صدقى وجلست إلى أحمد لطفى السيد وشجعها زكى نجيب محمود وأستقبلها جمال حمدان وأنصت إليها حسين فوزى وصادقت نجاة الصغيرة وذهبت إلى محمد عبدالوهاب وروى لها يوسف وهبى وعملت مع إحسان عبدالقدوس ورأسها على ومصطفى أمين ورحب بها حسنين هيكل ودربها بطرس غالى ولازمت يوسف إدريس وسخرت مع محمد عفيفى، وغنت مع صلاح جاهين ورقصت بقلب السندريلا سعاد، وتتلمذت على يد هدى عقل وقلب أحمد بهاء الدين، فاستحقت لقب الست من نجيب محفوظ، وهى لا زالت تلميذة فى صالون العقاد تخشاه خشية السنجاب لأسد الغابة!

ومع تعاقب السنين الرامحة والشهور المتبخرة والأيام التى تأخذ ذيلها فى أسنانها والساعات التى تمر كشهب بلا رجعة تجد نفسك «وهو وهى» أمام حقيقة عارية أن التقدم فى السن فى شرع سناء البيسى معناه تراكم التجارب، وتجدد الروح وفلسفة النظرة وخبرة الغوص فى القلوب والعقول والدروب، تاجها.. عَلمها عِلمها.. إيمانها.. سلاحها الحرف الشريف.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية