تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
رغم أنف أعداء الفرعون!
تزحف عينا الحفيد بدهشة من القدمين الحافيتين وترتفع حتى وجه التمثال الشاهق. يرفع يديه متوسلا الجد أن يحمله على كتفه، يظن الجد الطيب أن الحفيد الذى لم يتجاوز الربيعين قد أصابه الإرهاق من الجولة الأولى فى المتحف المصرى الكبير. يضمه إلى صدره فيقترب الحفيد بمقدار ذراعين إلى أعلى.
يشير بأصبعه الصغير إلى أنف التمثال المبتور، يقبل الجد جبهته ويجيب عن الاشارة بالكلام: قد يبدو أن كسر الأنف ضحية سوء التخزين خلال عصور الاضطهاد والفوضى منذ ما يقرب من اربعة آلاف سنة، لكن حتى بعد العثور على هذا التمثال منذ 200 سنة تسربت تماثيل مصر المنهوبة والمهداة إلى معظم متاحف الدنيا بينما حرم على ملوك مصر القديمة وخاصة "رمسيس الثاني " الوقوف فى هواء مصر وسمائها ووسط ميادينها، وفرض الغزاة المتعاقبون على اثار اجدادنا أن تبقى سجينة الرمال والمخابئ!.
رغم أن الحفيد لا يعرف إلا كلمات محدودة لا تكفى لفهم جمل طويلة، لكن الجد يجيب عن تساؤله كأنه يدلى بشهادته للتاريخ عسى ان يقرأها الحفيد يوما ما:
الخطر الأكبر على آثارنا هو الحملات الممنهجة لتشويهها وتشويه الوعى بتاريخنا، مازالت هذه المحاولات تلاحق سيرة حارس هذا المتحف رمسيس الثانى، رغم الهيبة التى عادت إليه فى صدارة المتحف الكبير وكأن "المصريين المحدثين" يقولون للدنيا لقد امتلكنا القوة التى تكفى أن نباهى بتاريخنا ونقارع حضارات العالم الحديث ونورث الأجيال الجديدة مكانة شامخة لجدنا الأعظم ـ رغم انف أعدائه ـ مبرءا من أى اتهام!.
اتهموه بطرد بنى إسرائيل من مصر، وسواء كان هو أو غيره من ملوك "الدولة الحديثة" فقد قام هذا الملك المصرى بواجبه نحو آل يعقوب بعد موت يوسف الصديق عن ١١٥ سنة الذى صار نائبا للملك وأمينا على خزائن الأرض، لكن نسله وأخوته تحولوا بمرور السنين من "ضيوف" إلى «خونة وثغرات» تسرب منها الهكسوس الغزاة، حتى قام القائد احمس بواجبه فى تطهير البلاد من الهكسوس وعملائهم من بنى إسرائيل.
وأما اتهام «رمسيس الثاني» بأنه بنى المعابد والتماثيل لكى تعبد من دون الله، فهى تهمة تعبر عن جهل من أطلقها ومن يرددها، بدليل القصص القرآنية نفسها، فمن نعم الله على سيدنا سليمان أن سخر الجن لتبنى له ما أراد من مساجد للصلاة ومن قصور وتماثيل، وجاءت التماثيل فى الآية القرآنية معطوفة على أماكن العبادة والمحاريب؛ (يَعمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَان كَالجَوَابِ وَقُدُور رَّاسِيَتٍ..) (الآية 13 من سورة سبأ)،
ومعظم التماثيل والقصور والمعابد ظلت «آية للناس» وساعدت على فهم أحوال الأمم السابقة وقيمها وحضارتها، وهى عكس «الأصنام» التى افتتن الناس بها؛ وحولوها من فن وعمارة ونحت وطين وحجارة إلى آلهة تضر وتنفع، فأوحى الله إلى سيدنا إبراهيم أن يحطمها.
يدهش الحفيد بنقوش ملونة ورسوم لأم وأب يحمل كل منهما طفلا ويجلسون تحت أشعة شمس ذهبية يجيب الجد: انها ترمز للإله«آمون» ويتجه ليلمسها لولا حاجز ممنوع اللمس والاقتراب، الذي وضعته ادارة المتحف، فيشرح الجد: هذه الأسرة لا يعبدون الشمس بل ربما تتبع نفس المنهج الفكرى الذى أمرنا الله به . أن نتفكر خلق السماوات والأرض، وهو نفس منهج سيدنا ابراهيم إلى الإيمان «فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّى فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ . فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّى فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبِّى لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّى هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّى بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ» (الآيات 76 و77 و78 من سورة الأنعام).
يواصل الجد الجولة مع الحفيد ويشرح بهذه العقلية تقدموا فى الفنون والعمارة والحرب وهنا نرى انعكاس التقدم الحضاري والرقي في النظر إلى الكون على خريطة مصر . تسجل حدود مصر فى «عصر المجد الحربى» فى المملكة الحديثة (من 1550 إلى 1077 ق .م) التى كان رمسيس الثانى من أبرز قادتها ان حدودنا امتدت من النوبة حتى الجندل الرابع السودان وبلاد بونت والصومال والحبشة وجيبوتى في الجنوب إلى بلاد الشام (فلسطين، لبنان، سوريا وأجزاء من العراق وتركيا)، فى الشمال وامتدت إلى ليبيا غربا، مما جعلها قوة عظمى حافظت على حدودها رغم المناوشات ومحاولات اقتطاع أطرافها، حتى تسلمها آخر حاكم مصرى أصيل بدماء مصرية "الملك نختنبو الثانى " الذى حكم فى الأسرة الثلاثين بين عامى 342 - 360 قبل الميلاد، وبعده جاء الاحتلال الفارسى ثم اليونانى والبطلمى والرومانى وقبل دخول الإسلام،
وخلال قرون الغزو والاستعمال الأجنبي صار الحكام المصريون وتماثيلهم خبيئات فى الكهوف والمقابر!.
بهذه الخلفية يصل الجد إلى تفسير ظاهرة قصف أنف تمثال رمسيس التى لفتت نظر الحفيد: ظاهرة شاعت بين التماثيل بناة الحضارة في مصر القديمة، بعضها هذه التماثيل خرج من المقابر بنفس التشويه قبل عرضه.. ليعكس تخريبا متعمدا، له دوافع دينية وسياسية للإيحاء بالذل والمهانة ونزع «الروح» و «الشموخ، والعزة من التمثال، وهى ظاهرة لا تنفصل عن الاتهامات الباطلة التى نالت سيرتهم فى عصور الاحتلال.. لزعزعة ثقة المصريين في تاريخهم و انفسهم!
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية