تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
ديمقراطية «القطيع الضال» الأمريكية!
مع اشتعال موسم الانتخابات الأمريكية بمسرحية المناظرة الرئاسية بين المرشح الديمقراطى «التائه» بايدن والمرشح الجمهورى «الأهوج» ترامب، لا أجد لها وصفا أصدق من ديمقراطية «المشاهدة»!.
وصاحب هذا التعبير هو المفكر الأمريكى نعوم تشومسكى (1928) وتعتمد نظريته فى احتلال العقول على إلهاء الجمهور بمسائل تافهة، ليظل مشغولا، منبهرا مترقبا بعيدا عن المشكلات الحقيقية والحرب الأساسية التى ينبغى أن تستمر على نار هادئة!
فلو تأملت معى حروب الولايات المتحدة ضد الصين أو ضد روسيا أو ضد العرب بفلسطين، يخيل اليك أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة تتعمد إطالة اشتعالها، لأن حالة الحرب معناها هيمنة على العالم وتجارة أسلحة واستقطاب وطلب الحماية لتأمين مصادر الطاقة والملاحة، وهدفهم الدائم هو استنزاف وإضعاف الخصوم الحاليين والمحتملين!
وإذا ما تيقنت الادارة أن استراتيجية «الإلهاء» حققت هدفها من "التغييب" تبدأ فى استراتيجية «دع المشكلة تتفاقم ثم لوح بالحل»، والحل قد لا يحظى بالقبول الشعبى ولا الضمير الإنسانى ولا بقواعد القانون، بل تضطر لقبوله كـ شر لابد منه!
وضرب تشومسكى مثلا محليا خالصا (دع العنف الدموى ينتشر فى المناطق الحضرية مما يدفع الجمهور لمطالبة السلطة باتخاذ إجراءات وسياسات أمنية تحد من حريته)، وأضرب لك مثلا بالحرب الحالية على غزة، بعد أن كان «العقلاء» حتى فى اسرائيل يقبلون مناقشة الحل العادل وحق الشعب الفلسطينى فى دولة الى جوار اسرائيل لنزع فتيل الحروب والتطبيع وضمان اندماج الدولة اليهودية فى المنطقة، وهو ماطرحته مبادرة السلام العربية منذ عشرين سنة، لكن عدم وجود الارادة الأمريكية على مدى عقود جعلها تسلم أوراق اللعبة إلى العصابة الصهيونية المتطرفة بقيادة نيتانياهو، وهو ما قاد المنطقة إلى طوفان الاقصى، وبعد 9 أشهر من الحرب ومن إضاعة الفرص لحل جذرى للصراع بقرار لمجلس الامن صار «الخداع» المطروح فى «الصفقة» الوشيكة هو بالضبط مقدمة امريكية خبيثة لاشتعال حرب جديدة، تبدأ بتهدئة العمليات العسكرية الصهيونية بغزة وإطلاق سراح المحتجزين، ثم تبادل إطلاق الاسرى والعسكريين، وبعدها تتفاوض المقاومة الفلسطينية ورقبتها فى حبل المشنقة مع مجرمى الحرب وعشاق الابادة على وقف "دائم" لإطلاق النار!
ولتأكيد عدم الرغبة الأمريكية فى السلام "المنطقى" فإننى أتحدى أن يطرح أى من المرشحين الرئاسيين ـ التائه أو الأهوج ـ حلا للصراع يتواصل مع ما قدمه سلفهما الرئيس جيمى كارتر فى كامب ديفيد منذ 45 سنة، او ما رعاه جورج بوش الاب فى أوسلو منذ 30 سنة، ورغم ان المرشحين سيتسابقان فى التعهد بحماية الدولة اليهودية، فإن مفهوم "إسرائيل" عند كليهما واحد، كرة لهب تخلصت منها أوروبا وبدلا من حرق اليهود كما أراد هتلر، جعلها الغرب الاستعمارى رأس حربة وقنبلة جاهزة للانفجار لإشاعة الاضطراب الدائم فى قلب العالم العربى!
وما يحدث الآن على المسرح الانتخابى الأمريكى هو فصل من «ديمقراطية المشاهدة»، كما وصفها نعوم تشومسكى فى كتابه السيطرة على الإعلام، ترجمة أميمة عبداللطيف عام 2005 ـ اذ يتم تطويع فن الديمقراطية لـ«تصنيع الإجماع»، أى جعل الرأى العام يوافق على أمور لا يرغبها بالأساس بل بخداعه تحت شعار «المصالح العامة» ويقوم بعملية الخداع نخبة متخصصة من «الرجال المسئولين» فى الحزبين الجمهورى والديمقراطى ومن حقها تقرير الأمور التى من شأنها أن تنفع مصلحة الأمريكيين جميعا، فيتم الدفع بهذه النخبة الصغيرة إلى سدة الحكم ويصبح ولاء الرأى العام لأولئك الذين لديهم القوة الحقيقية بالسلطة أو بالمال فى مجتمع رجال الأعمال، المنتج الرئيسى لمسرحية الحمار والفيل المرشحين للرئاسة!.
ويرى تشومسكى أن هناك «وظيفتين» للإعلام فى النظام الديمقراطى الأمريكى، الوظيفة الأولى مهمتها دعم الطبقة المتخصصة المفكرة، والوظيفة الإعلامية الثانية هى توجيه قطيع الناخبين الضال حين يسمح له كل اربع سنوات ليلقوا بثقلهم خلف مرشح أو آخر من الطبقة المتخصصة في أى من الحزبين، ومن المفترض والضرورى أن يعود القطيع أدراجهم ويصبحوا «مشاهدين» فقط لا مشاركين بالأفعال!.
وطبقا لنظرية القطيع الأمريكى الضال التى فضحها تشومسكى فى كتابه منذ 20 سنة، أستطيع فهم لماذا لا تهتز لرئيس أمريكى شعرة، أمام المظاهرات، سواء خلال الحرب المزيفة على العراق ضد بوش الابن الذى اعتبر احتلال العراق تكليفا من الله وقال: إذا اعتبرنا أن هناك 10 ملايين يعارضوننى فى الشارع فإن هناك 350 مليونا يؤيدوننى فى بيوتهم!
وهذه الأيام مع اندلاع المظاهرات المعارضة للإبادة الجماعية فى غزة والمطالبة بالحرية لفلسطين والمناهضة للعمليات العسكرية الإسرائيلية منذ تسعة أشهر فى أكثر من 20 جامعة أمريكية وفى أنحاء العالم حتى في إسرائيل نفسها تطالب بوقف الحرب وبوقف تسليح الجيش الصهيونى، لم تتراجع لجنة الكونجرس الخاصة المشكلة من الحزبين، ولا أى من المرشحين عن دعمهم المطلق لإمداد اسرائيل بالمال وبالسلاح، لأنهم على قناعة بأنه من الأخلاق والواجب فى نظامهم الديمقراطى عدم السماح للقطيع الضال أن يكونوا مشاركين فى «الفعل» أثناء الوقت المخصص لـ «المشاهدة»!.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية