تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > الدكتور أنور عبد اللطيف > تلاحم «صحاب الأرض» مع «صوت هند رجب»!

تلاحم «صحاب الأرض» مع «صوت هند رجب»!

قبل شهر رمضان مباشرة شاهدت فيلم «صوت هند رجب» تاليف وإخراج التونسية كوثر بن هنية وبطولة سجا كلاني، وكلارا خوري، ومعتز ملحيس، أعجبنى براعة الفيلم فى تجسيد جريمة جديدة «من بعيد» للعدوان على غزة ممثلا فى حياة «هند» الطفلة الفلسطينية، ولفت أنظار العالم لحكايات 55 ألف طفل وطفلة أصيبوا أو قتلوا منذ 7 أكتوبر 2023، واستخدم الفيلم تسجيلا صوتيا حقيقيا التقطه مركز الإسعاف لمكالمة الاستغاثة التى أجرتها الطفلة هند رجب من داخل سيارة مات فيها كل أفراد أسرتها، ومن شدة إعجابى بالفيلم وردود الأفعال العالمية عليه تمنيت عملا دراميا مصريا يعكس معايشة مصر والتحامها بمأساة الشعب الفلسطينى على مدى عقود، إلى أن شاهدت تسع حلقات من مسلسل «صحاب الأرض» فتدرج شعورى بالعملين من المقارنة، إلى القناعة التامة بأنهما متكاملان!

فى «صوت هند رجب» المأساة يعكسها صوت طفلة وحيدة، سجينة أربعة محابس؛ محبس العجز الطفولى والإصابة ومحبس السيارة المدمرة المتخيل ومحبس الاحتلال الصهيونى المجرم الذى حول طرق الإنقاذ الى ركام، ولا يربط هند بالعالم كله الا صوتها الذى يصل الى مركز إسعاف يعانى هو الآخر من حصار الإمكانيات الفقيرة بعد أن تعرض العشرات من مسعفيه للموت وإصابات بالغة، كما يعانى حصار تعليمات جيش الاحتلال الذى يعتبر سيارات الإسعاف والمسعفين أهدافا مستباحة حتى لو صرح لها بالحركة! أما المسلسل المصرى «صحاب الأرض» بقيادة المخرج بيتر ميمى والمؤلف عدنان صبرى والنجوم إياد نصار ومنة شلبي، وكامل الباشا، فيعكس تداعيات ابادة جماعية لمجتمع بالكامل، ومن بينها حالة الطفل «يونس» الذى اصيب فى قصف أدى لموت كل أفراد أسرته، وعندما وجد حضن مسعفيه لم يجد العلاج، وضرب الاحتلال المستشفى وبقى فى رعاية عمه «ناصر» الذى يترك بناته فى رعاية أمه المسنة فى رفح ويركز همه على رعاية ابن شقيقه، ويلتقى أمل ناصر مع طاقة الانسانية والعطاء التى تمنحها الطبيبة المصرية المتطوعة للعمل فى مستشفى ميدانى يعانى نقص الإمدادات وانقطاع الخدمات الأساسية والماء والكهرباء واستمرار القصف، يجمعها مع ناصر واهل غزة قيم التضامن والتكاتف فى مواجهة المحنة! ومن خلال الخط الدرامى الرئيسى هو البحث عن حلول للمأساة التى يخلقها الإجرام الصهيوني، تتوالد عدة خطوط درامية وقصص ومشاعر إنسانية تكشف قدرة الانسان العربى الفلسطينى على التكيف ومقاومة الواقع المر بالابتسام متحصنا بحب الحياة وحب الأرض فى مواجهة القتلة عشاق الدمار.

نجح «صحاب الأرض» رغم المأساة الداهمة فى تقديم نماذج ولمحات غرامية بين أحداثه تجعل المشاهد يبتسم لانفراج عُقدها يحدوه الأمل فى إيجاد حلول وبهما تستمر الحياة والمقاومة، منها مثلا علاقة حب تولد بين الطبيبة سلمى (منة شلبي) التى توفى ابنها «مالك» بمرض عضال وكانت تعيش لرسالتها كطبيبة، والخباز ناصر(إياد نصار)، الذى ترك بناته منذ 6 شهور و22 يوما فى الجنوب لا يربطه بهن الا صوت تليفون، وحكاية العجوز «الأستاذ إبراهيم» الذى فقد الذاكرة والاحساس بالألم والتعذيب لكنه لم ينس الفصل الذى كان يدرس فيه ولا زملاءه جورج وكمال يعقوب ومن كانوا معه فى 67 ولم ينس الرفق و«الحلم» الذى يجب ان يمنحه لأى «لغم» حتى يحوله إلى صديق، والسائق المصرى سمير الذى حمل جهاز الاشعة من مصر لتسليمه إلى «الدكتورة سلمي» فى غزة رغم كل الظروف الصعبة والتفتيش والمخاطر؛ وأثناء توديعها يهمس إلى سلمى إن كان لديها علاج للخلفة، والخناقة التى حصلت بين اهل الشارع الذى كان هنا على جوال طحين وحين حدثت غارة احتضنوا بعضهم واحتموا بسقف واحد!.

الفيلم والمسلسل يقدمان نموذجا لتكامل أدوات القوة الناعمة فى تشخيص جريمة الإبادة الجماعية بكل مستوياتها من الطفولة إلى المجتمع، وكشفا مواطن العجز فى مواجهتها؛ فى «الفيلم» فإن مسرح العجز داخل غرفة الاتصال والفشل فى استخراج تصريح لانتقال سيارة إسعاف لمسافة تبعد 8 دقائق فقط لإنقاذ هند، ويحاول المسعفون تهدئة الصغيرة بحكايات مسلية، أما مسرح العجز فى «المسلسل» فهو ممتد ليشمل كل نواحى الحياة، وينجح المخرج بيتر ميمى فى تخفيف أجواء العنف والدمار بمواقف ترسم ابتسامة «تصبيرة» على وشوش المشاهدين تحول المأساة إلى حياة محتملة.. وحبلى بالمفاجآت المشوقة حتى كتابة هذه السطور!

لكن الجمال فى العملين البديعين يأتى من نجاحهما فى تشخيص حالة الشلل والعجز التى يتعمد خلقها وتكريسها العدوان الاستيطانى التوسعي، والتى تتدرج من مجرد الاستجابة لـ«صوت» طفلة يأتى من بين الأنقاض وتتسع لتشمل واقعا مريرا لـ «صحاب الأرض» فى كل فلسطين، وتتسع أكثر على ضوء العدوان الأمريكى على سيادة دول المنطقة ليضع المنطقة كلها فى حالة حصار على شفا انفجار تحت هيمنة إسرائيل، ولا تراجع عن الإبادة والتطهير العرقى والتهجير ولا مخرج بمجلس سلام حقيقي.. ولا مغيث!.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية