تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > الدكتور أنور عبد اللطيف > تفكيك الهوية.. سلاح أمريكى جديد فى الحرب

تفكيك الهوية.. سلاح أمريكى جديد فى الحرب

تخيل معى أنك داخل «سوبر ماركت» عالمى ضخم تشترى منه عناصر لهويتك. تأخذ معتقدا من رف «وستايل» جماليا من رف ولغة جديدة وأنماطا اجتماعية وهوايات من رف ثالث ورابع وخامس، وحاصل «البضاعة» التى نشتريها جميعا هى شخصيتنا وشخصية مجتمعنا!. 

هذا هو ما يسميه علماء الإعلام والاتصال والاجتماع «تسوق الهوية» وهو عنوان باب كامل ورد فى نظرية المناعة والممانعة التى توصل إليها الدكتور محمد سعد ابراهيم فى كتابه الجديد «"صراع الهويات والهيمنة الثقافية السيبرانية».. ويقدم فيه نموذجا اتصاليا نقديا لتفسير ديناميكيات تشكيل الهوية فى الفضاء الرقمى، فى إطار جهوده البحثية لتقديم رؤية نقدية عربية جديدة، تتجاوز الأطر الغربية السائدة فى دراسات الإعلام والاتصال، ضمن جدلية التفاعل بين النظام السيبرانى العالمى، والنظام الإعلامى السلطوى العربى.

يستند الدكتور محمد سعد إلى خمسين عاماً قضاها باحثا أكاديميا متأملا فى نظريات الإعلام وتاريخ الصحافة، أسفرت عن أكثر من 20 كتابا وعشرات البحوث، لكنه بهذه النظرية انتقل من مرحلة الوصف التاريخى أو رصد الظواهر الاعلامية إلى بناء المفهوم والنموذج والنظرية من خلال نقد ابستمولوجى منهجى عميق، يفحص الأسس المعرفية والمنهجية للقضايا، ويحللها بعمق ليتعرف على نقاط ضعفها وقوتها والتحكم فيها. 

ويشرح المؤلف ظواهر مثل «الاستلاب الثقافى» وكيف يفقد المجتمع أو الفرد هويته الثقافية الأصلية، ويجري مرغما او يتهافت "منوما" وراء قيم وممارسات ثقافية مستوردة. وكيف يمهد الانفصال عن التراث الحضارى الأصلى الى فقدان الاستقلال الحقيقى للوطن!. 

ويقدم لنا الدكتور محمد سعد استاذ الصحافة بجامعة المنيا ومؤسس منتدى الاصالة والتجديد في بحوث الاعلام بعض مظاهر «التفكيك الهوياتى» مثل: فقدان الانتماء إلى المجتمع أو تبنى قيم وممارسات غريبة قد تتعارض مع القيم الأصلية، والنتيجة عدم المقاومة والتراخى فى الدفاع عن الوطن، واستسهال الشعور بالدونية وتشتت مفهوم المواطنة!. 

هذا بالضبط ما يحدث فى زمن أصبحت فيه هوية الأفراد والمجتمعات بما تعنيه من قيم ومعتقدات وثقافات ميداناً مفتوحاً للصراع السيبرانى، تمهد نتيجتها لخضوع الأوطان ومواردها وثرواتها المعدنية لحيتان الإمبريالية الجديدة! 

وعلى ضوء نظرية الدكتور سعد أحاول تفسير استسلام فنزويلا السريع بعد خطف رئيسها مادورو وزوجته لمحاكمتهما فى الولايات المتحدة بتهم مزيفة وعدم خروج الفنزويليين فى مظاهرات «مسموعة» تحتج على عملية السطو «الترامبى» وانتهاك سيادة الدولة، فى مقابل صمود شعب ايران للأسبوع الثانى من العدوان الشامل الذى استخدم مائدة التفاوض حول البرنامج النووى ستارا لعملية اغتيال المجتمع قبل المرشد الأعلى على خامنئى وقادته وعلمائه بهجوم عسكرى «إسرائيلى - أمريكى» بأحدث تقنيات التوجيه والتشويش السيبرانى ليس للقضاء على البرنامج النووى، ولكن لإسقاط النظام وإشعال الفتنة المذهبية والأقليات وإخضاع الدولة والمنطقة بمواردها فى حظيرة الأطماع الأمريكية!. 

لكن النظام الإيرانى استخدم ما يملك من صلابة الهوية للرد «العمق بالعمق» على حاملات الطائرات والقواعد الأمريكية وتل أبيب ثم خروج الشعب تحت القصف يعلن مبايعته للإمام  الجديد وتحديه اللهيمنة السيبرانية الثقافية والعسكرية ومخطط تغيير النظام من الخارج، وكشفت المواجهة عن أهمية وجود المناعة المجتمعية والممانعة الرقمية وخطورة اختراقها!

وعن نظرية المناعة والممانعة يرى الدكتور محمد سعد أن الفضاء السيبراني والإنترنت أقرب لساحة معركة حقيقية، تتصادم فيها كل الأفكار، كل الثقافات وكل القيم، وتظهر أهمية جهاز المناعة، فى قدرتنا - أفرادا ومجموعات - على أن نحمى هويتنا الأساسية من فيروسات التفكك الثقافية المعادية، أو المشتراة من «السوبر ماركت»، فدرع المناعة يتكون من ثلاث حوائط صد: أولها الوعى المعرفى، تانيها التفكير النقدى، والثالث والأهم هو المرجعية القيمية، أى ما نحتكم اليه من نظام فعّال وراسخ من المبادئ والمعتقدات.  

أما الممانعة فهى الانتقال من مرحلة الدفاع السلبى إلى مرحلة الهجوم الإيجابى الديناميكى الذى يشبه حلبة الملاكمة عندما نستخدم أدوات وتكتيكات تتفادى اللكمات وتقود إلى ضربة قاضية تسمى الإخماد الرقمى، لتواجه ألاعيب المنصات أو القوة المهيمنة، وتتحدى الرواية المسيطرة!. 

ومعركة «الملاكمة الرقمية» مرنة ومتعددة الادوات مثل التشفير واستخدام تطبيقات التخفى وكشف الكذب والتزييف والتشويش فى إطار استراتيجيات للهروب من الخوارزميات والهجمات السيبرانية. لكن حين نضعف أو نغفل ونستسهل الانتماء لهويات طائفية ومذهبية تضعف دفاعاتنا وتنهار!.  

وبتطبيق مفهوم «تسوق الهوية» أو تسولها على حالة اتحاد الوطن، نجدها إما هوية مستقرة وقوية ومتحدية (مثل مصر والصين وإيران) أو هوية مقموعة ومخنوقة، وخائفة (بشكل ما فنزويلا) أو هوية قائمة على الأوهام والأساطير الدينية (مثل اسرائيل) تحكمها مصالح توسعية وأطماع عنصرية لجماعات متطرفة! 

وهنا يبقى السؤال؛ على ضوء المواجهات المشتعلة بالخليج؛ هل هويتنا المجتمعية التى تعكسها ذواتنا الرقمية على الإنترنت، نبنيها بأنفسنا وتاريخنا وموروثنا الحضارى، وتستحق أن ندافع عنها، أم هى مجرد قناع نشتريه من السوق الرقمية الكبيرة وتأخذ شرعيتها من كونها نقطة على خريطة الإبادى التوراتى اليمينى الصهيونى وسيده ساكن البيت الأبيض؟!

ـ اللهم قنا شر الفتنة وعافنا واعف عنا .. وكل عام وأنتم بخير.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية