تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
أم كلثوم ونحن
هي، هذه الطفلة الريفية التي ولدت في قرية طماي الزهايرة في مركز السنبلاوين في محافظة الدقهلية لأسرة فقيرة يعولها أب، يلتقط البعض من القروش ليكمل بها احتياجات بيته. وعندما ولدت الطفلة سماها فاطمة إبراهيم البلتاجي، ولم نعرف من وكيف تغير اسمها لتصبح ام كلثوم.
أما نحن تلك الجماهير المستمعة التي وقفت وراء هذه الطفلة بعد ان كبرت واصبحت ايقونة الطرب وسيدة الغناء العربي لأكثر من سبعين عاما لم نعد نناديها بفاطمة أو أم كلثوم وإنما بالست أو ثومة. واطلقنا عليها ألقابا مثل سيدة الغناء العربي أو كوكب الشرق.
عندما ولدت الطفلة كان امامها خياران إما ان تستمر فلاحة تزرع وتحصد أو ان تلتحق وتستمر مع والدها منشدة دينية تجوب القرى والمحافظات معه ليلا لتسهم في تحقيق قروش أكثر لإعالة اسرتها.
ولكن شاءت الظروف أن يهبها الله حنجرة يكتشفها هذا الاب الفقير ليعطيها فرصتها في الحياة لتصبح المداحة الأولى في بطانته لتتحول شيئا فشيئا الى المداحة الاولى في كل قرى دلتا مصر ثم لتسكن القاهرة وهي في الثالثة والعشرين من عمرها يوم وفاة سيد درويش.
وكانت القاهرة تقف على قدميها انتظارا لوصول سعد زغلول من الخارج. وفي القاهرة لم نسمع عن فاطمة البلتاجي وإنما عن أم كلثوم.
كانت العشرينيات عقدا مارسته القاهرة أو «المحروسة» بصدر واسع لما مر بها من أحداث عظام.
في هذا العقد وضع أول دستور لمصر وأجريت أول انتخابات حرة في البلاد، وشكل سعد زغلول أول حكومة مصرية وفدية واشتبك فيه مع الملك فؤاد من اجل إدخال قبطيين أعضاء في حكومته، وتم اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون كاملة دون ان يمسها لصوص المقابر، وحصلت المرأة المصرية على حق التعليم وخلعت هدى شعراوي مع رفيقاتها اليشمك التركي،
وفي نهاية العقد دخلت سهير القلماوي مع رفيقاتها الثلاث جامعة القاهرة وحضرت أم كلثوم إلى القاهرة من السنبلاوين لتشارك بدورها في تنمية حركة التنوير العامة التي اخترقت المجتمع الذكوري المصري لتصل في النصف الأول من العقد الثلاثيني لأن تكون المطربة التي ستفتتح أول إذاعة مصرية حكومية تبث منها قيما فنية جديدة إلى الشعب وتصبح من خمس سيدات مصريات يشار إليهن كنساء يعملن في مهن كالمحاماة والتدريس الجامعي والإذاعة والفن.
نعم حولت الفلاحة أم كلثوم المغنى إلى مهنة لا يحتقرها الشعب، وإنما إلى مهنة تقدم القصائد التي يضعها أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وإبراهيم ناجي وغيرهم من الشعراء العرب ليحفظها الجميع ويطالب بسماعها حتى الاميون من العرب والمصريين.
فاختراق المجتمع الذكوري ليس بالعملية السهلة في أي بلد أو اي مجتمع، انها عملية طويلة تحتاج إلى جيل بعد جيل من البشر. وكان من حظ أم كلثوم أن تشارك المرأة المصرية في إحدى المراحل الناجحة والحاسمة من هذا الصراع.
جاءت إلى المحروسة بعد أن إستمعت الى حديث دار بينها وبين المغني الشهير أبو العلا محمد، قال لها بعد ان غنت له إحدى مقاماته «انتي ربنا حباكي بصوت حافظي عليه وحطيه في أعلى مكان في حياتك، ده كنز من ربنا، أوعى تفرطي فيه.».. واستمعت الشابة إلى الحديث جيدا وعملت به.
وفي النهاية حافظت على حنجرة عاشت بيننا أكثر من سبعين عاما وسوف يستمر صوتها المسجل عشرات السنين بعدنا ليستمتع به جيل من العرب بعد جيل من النساء والرجال إلى أن تقدم الأرض المصرية حنجرة قوية جميلة أخرى وصوتا اصيلا ينطق اللغة العربية ومخرجاتها كما تنطقها أم كلثوم.
ولا أبالغ إذا قلت إن سيدة الغناء العربي كانت في مقدمة القوى الناعمة المصرية التي أطعمت ووفرت للشعب المصري احتياجاته الأساسية في لحظات الصعوبات التي مر بها، أنها أسهمت وهي في هذه المقدمة على إشباعه ربما واقول ربما اكثر من قناة السويس.
وهي مسألة اقتصادية بحتة تحتاج بلا شك إلى الباحثين في خزانة الدولة المصرية. ولكني سمعت هذه القصة من عدد من الاقتصاديين ومن بعض كبار الفنانين عندما كنا نتحدث معهم عن القوى الناعمة المصرية، خاصة قبل تأميم القناة التي كنا نعتبرها «دولة داخل الدولة المصرية».
ولكن هل كنا نطالب «نحن» أم كلثوم بأنها تأتي الينا بالمال الوفير. لا وإنما كنا نطالبها بالفن الجميل. وكنا ننتظر الخميس الأول من كل شهر لنعد العدة ونحضر البعض من المأكولات التي تتشارك الأسرة فى تناولها لنستمتع بصوت أم كلثوم.
وبعد ذلك نسعى إلى شراء الأسطوانات التي تساعدنا على إعادة سماع الاغاني لنحفظها ونرددها.
لذا استجابت الست لمطلب الشعب وحافظت على تلك الحنجرة الماسية التي استمرت زمنا أطول من أي حنجرة مصرية أو عربية ثانية. استمرت سبعين عاما تمتعنا بأغنياتها الشجية التي تتغنى بالحب والغرام والعشق دون ان تخدش حياءنا.
تماما كما كانت ترتدي الفساتين التي لا تتكرر والغالية الثمن وعليها مجوهراتها غير القابلة للتقليد دون أن يتذمر احد. ولكنها ملابس محترمة تستكملها بمنديلها الشفاف الذي يذهب ويجيء مع اللحن ومع الاغنية.
هذه هي أم كلثوم التي اختلف على فيلمها الكثيرون دون أن يلاحظوا أو يعترفوا بأن هذا الفيلم لن يكون آخر الافلام أو المسلسلات التي ستنتج عن ابنة السنبلاوين.
نحن أمامنا واجب مهم كالواجب المدرسي الذي كنا نؤديه في بيوتنا بعد المدرسة، وهو البحث في أرض مصر الطيبة عن نموذج غنائى آخر مثل أم كلثوم. وسوف نجد لأن هذه الارض الطيبة هي التي أوجدت لنا طه حسين وزكي مبارك ومصطفى مشرفة ولويس عوض وكل مثقفي مصر الذين نتباهى بهم وبعلمهم. ومن المؤكد سنجد العشرات من القيم المدفونة التي تنتظرنا لنعلو بها فنيا.
يجب ألا نتعارك كثيرا على قيمنا الفنية لانها وجهات نظر نختلف ونتفق عليها.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية