تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > أماني القصاص > ليبيا.. اغتيال السياسة لا الأشخاص

ليبيا.. اغتيال السياسة لا الأشخاص

في السياسة، لا تكون الاغتيالات دائمًا جسدية، ولا تُقاس فقط بسقوط الأسماء، بل أحيانًا بسقوط الاحتمالات. ومن هذا المنظور، فإن اغتيال سيف الإسلام القذافي في هذا التوقيت تحديدًا لا يمكن فصله عن السياق الليبي الأشمل، ولا عن لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها خرائط المصالح الدولية مع هشاشة الدولة الوطنية في الشرق الأوسط.

ما جرى ليس مجرد نهاية اسم مثير للجدل، بل رسالة سياسية قاطعة مفادها أن أي مسار قد يربك معادلة الفوضى القائمة في ليبيا، أو يفتح بابًا لوحدة محتملة خارج الإرادة الدولية، يتم إجهاضه قبل أن يتحول إلى خيار واقعيًا.

هنا لا نتحدث عن تقييم شخص أو تبرئة تاريخ، بل عن قراءة باردة لمنطق القوة الذي يحكم المشهد، فليبيا منذ عام 2011 ليست دولة فاشلة بالمعنى التقليدي، بل دولة ممنوعة من الاكتمال، ممنوعة من بناء مركز سياسي واحد، ممنوعة من إنتاج زعامة جامعة، وممنوعة من إنهاء صراعها لصالح دولة مستقرة ذات قرار مستقل.

هذا المنع ليس نتيجة عجز داخلي فقط، بل نتاج إدارة دولية واعية للأزمة، تقوم على مبدأ الإبقاء على الصراع عند مستوى يمكن التحكم فيه، لا عند مستوى يسمح بالحسم. فالحسم، في الحسابات الكبرى، أخطر من الفوضى. من هنا، يصبح استبعاد الشخصيات ذات الرمزية مهما كانت إشكاليتها ضرورة وظيفية داخل هذا النموذج.

فالشخصية التي تمتلك قدرة على مخاطبة أطراف متناقضة، أو تمثل صلة بين الدولة قبل 2011 وما بعدها، تشكل خطرًا على هندسة الانقسام. والخطر هنا ليس أخلاقيًا أو سياسيًا، بل إستراتيجيًا. التوقيت بدوره ليس بريئًا. المنطقة تمر بمرحلة إعادة تموضع، والولايات المتحدة تعيد ترتيب أوراقها في الشرق الأوسط، لا بالانسحاب الكامل ولا بالهيمنة القديمة، بل بإدارة التوازنات ومنع بروز قوى أو دول قادرة على الاستقلال الحقيقي بقرارها، وفي هذا السياق، لا تبدو ليبيا أولوية للحل، بقدر ما تبدو ورقة يجب إبقاؤها مفتوحة.

الرهان الدولي في ليبيا ليس على من يحكم، بل على أن لا يحكم أحد حكمًا كاملًا، لا جيش وطني موحد بلا قيود، ولا سلطة سياسية مركزية بلا وصاية، ولا مشروع جامع يخرج الدولة من دائرة الاحتياج الدائم للخارج.

هذه المعادلة لا تضر ليبيا وحدها، بل تمتد آثارها إلى الإقليم بأكمله، فليبيا غير المستقرة تعني أن حدودها الطويلة مفتوحة على احتمالات الخطر، وتحديات أمنية مزمنة، واستنزافًا استراتيجيًا يفرض نفسه دون إعلان حرب. كما تعني ساحة خلفية قابلة للتوظيف السياسي والأمني في لحظات الضغط الإقليمي.

الأخطر من ذلك أن استمرار الفوضى الليبية يخلق سابقة إقليمية خطيرة: أن الدولة التي تسقط، لا يُسمح لها بالعودة كاملة، وأن السيادة تصبح مفهومًا قابلًا للتأجيل إلى أجل غير مسمى.

أما على مستوى الشرق الأوسط، فإن ليبيا تقدم نموذجًا صارخًا لكيف تُدار الأزمات العربية فلا حلول جذرية، ولا انتصارات نهائية، ولا هزائم تُغلق الملفات، بل استنزاف طويل، يفتت المجتمعات، ويُبقي الدول في حالة إنهاك دائم، ويمنع تشكل أي مشروع إقليمي مستقل ومن هنا، لا يمكن قراءة ما جرى باعتباره حدثًا ليبيًا خالصًا، بل كجزء من مشهد أوسع يعاد فيه رسم حدود الممكن والممنوع في العالم العربي. الممكن هو الفوضى المضبوطة، والممنوع هو الاستقرار غير الخاضع.

الخلاصة

أن اغتيال السياسة في ليبيا أخطر من اغتيال الأشخاص. فالسياسة حين تُقتل، تُترك الدولة بلا أفق، وبلا بدائل، وبلا حق حقيقي في تقرير مصيرها، وطالما بقيت ليبيا ملفًا يُدار لا دولة تُبنى، فإن ارتدادات هذا الوضع ستظل تهدد استقرار محيطها وتربك توازن الشرق الأوسط.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية