تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

قاضى الرحمة والعدالة

فى ذاكرة القضاء، تبقى الأحكام مجرد أوراق محفوظة فى الأرشيف، بينما تتحول بعض المواقف إلى شواهد حية تُخلِّد أسماء أصحابها فى وجدان المجتمع، وعلى صفحات تلك الذاكرة يسطع اسم المستشار محمود حلمى الشريف، عقب الإعلان عن اختياره وزيرًا للعدل.

فلم يأتِ الرجل إلى المنصب محمولًا بخبرة قضائية راسخة فحسب، بل جاء مسبوقًا بسيرة إنسانية منحته لقب «قاضى الرحمة»، ذلك اللقب الذى صاغته واقعة تجاوزت حدود قاعة المحكمة، وموقف استثنائى جعل الرحمة شريكًا أصيلًا على منصة القضاء.

ففى صباح عادى داخل إحدى قاعات المحاكم، لم يكن الحاضرون يتوقعون أن يشهدوا لحظة ستتحول لاحقًا إلى واحدة من أشهر الحكايات فى تاريخ القضاء المصري. حينها أنصت المستشار الشريف إلى رواية سيدة خمسينية أنهكها الفقر، متهمة فى قضية تبديد إيصال أمانة، وكانت تواجه حكمًا بالسجن لعجزها عن سداد مبلغ سبعة آلاف جنيه. وعلم أنها أرملة تعول ثلاث بنات، اضطرتها ظروف الحياة إلى الاستدانة، لكنها تعثرت فى سداد الأقساط بسبب سعيها لتوفير لقمة العيش لبناتها، بينما لم يتجاوز أصل الدين ألف جنيه.

لم يتخلَّ القاضى عن هيبة المنصة ولا عن مقتضيات القانون، لكنه أطلق مبادرة غير مألوفة داخل قاعة المحكمة، حين وضع مبلغًا من ماله الخاص على منصة القضاء، داعيًا الحضور إلى المساهمة فى سداد الدين. ولم تمضِ دقائق حتى تسابق المحامون فى جمع المبلغ المطلوب، فى مشهد جسّد أسمى معانى التضامن الإنساني. ولم يتوقف الأمر عند حدود سداد الدين، بل امتد إلى تسوية إنسانية حين قبل الدائن الاكتفاء بالمبلغ الأصلي، بينما منح القاضى السيدة ما تبقى ليساعدها على بدء حياة جديدة. لحظة ترسخت خلالها صورة القاضى الذى لا يفصل بين روح القانون ونبض المجتمع.

لم تكن الواقعة مجرد موقف إنسانى عابر، بل نموذجًا عمليًا لفلسفة عدالة تدرك أن القانون ليس نصوصًا جامدة، بل أداة لتحقيق التوازن الاجتماعي. فالعدالة الحقيقية لا تكتفى بتطبيق الأحكام، بل تسعى إلى حماية كرامة الإنسان وترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. ومع تولى المستشار الشريف حقيبة العدل، يبقى التحدى الحقيقى هو تحويل تلك الفلسفة الإنسانية إلى سياسات وإجراءات تُعيد تعريف العلاقة بين العدالة والمجتمع، ليظل القضاء حصنًا للحق وملاذًا للإنصاف فى آن واحد.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية