تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
رحل الفيلسوف.. وبقيت الأسئلة
لم يكن داوود عبد السيد مجرد صانع أفلام، بل ضميرًا يتخفّى خلف الكاميرا، روحًا تمشى على حافة السؤال لتلتقط وجع الإنسان بصمت، ولم يكن مخرجًا يضيف فيلماً إلى أرشيف السينما، بل عقلًا قلقًا يزعج السكون، وصوتًا هادئًا يربك الضجيج، ومثقفًا يواجه عصره بالأسئلة، يصوغ بالضوء والظل أسئلته الوجودية عن الإنسان، والحرية، والعدالة، والمعنى.
برحيله تفقد السينما أحد أنبل صُنّاعها، وأصدق من تعاملوا مع الكاميرا باعتبارها أداة تفكير ومساءلة، لا أداة متعة عابرة، ينتمى إلى سلالة نادرة من المبدعين الذين يكتبون أفلامهم كما تُكتب الفلسفة، بهدوء، وصبر، وإيمان عميق بأن الصورة قادرة على أن تُفصح عمّا تعجز عنه الكلمات. لذلك استحق عن جدارة لقب «فيلسوف السينما»، لا باعتباره توصيفًا نقديًا عابرًا، بل جوهرًا لمسيرته كلها، فى أفلامه لا نجد أبطالًا خارقين ولا نهايات مريحة، إنما بشرًا عاديين مثقلين بالهزائم الصغيرة، يتعثرون فى الشوارع الضيقة للحياة، ويصطدمون بأسئلة أكبر من قدرتهم على الاحتمال.
من «الصعاليك» إلى «أرض الخوف»، ومن «سارق الفرح» إلى «مواطن ومخبر وحرامي»، كان ينقب فى الهامش ليكشف المركز، ويصغى إلى المهمش ليعيد تعريف المعنى،
أما «الكيت كات» فليس فيلمًا فحسب، بل مرآة مجتمع كاملة، حارة شعبية تتحول إلى كونٍ مصغر، وشيخ ضرير يرى ما لا يراه المبصرون، وواقع عبثى يبدو فيه الجنون أحيانًا أكثر اتزانًا من العقل الجمعي؛ لهذا بقى الفيلم حيًا، يتجدد مع كل مشاهدة.
قوته لم تكن فى كثرة أفلامه، بل فى ندرتها؛ لم يلهث خلف السوق، ولم يساوم على رؤيته؛ آمن بأن السينما موقف أخلاقى قبل أن تكون صناعة، وبأن البطء أحيانًا فضيلة، لأن الفكرة تحتاج أن تنضج، كما تنضج التجربة الإنسانية نفسها. لذلك بدا غيابه عن الشاشة امتدادًا طبيعيًا لصدقه.
رحل داوود عبد السيد، لكن أسئلته باقية، مفتوحة، تقلقنا وتحرّضنا على التفكير، غادر بهدوء يشبه أفلامه، تاركًا لنا صورًا لا تشيخ، وأسئلة لا تموت، وحنينًا لا يعرف كيف يُغلق بابه. غادر الجسد، وبقيت أفلامه رسائل مؤجلة، تذكّرنا أن بعض المخرجين لا يرحلون، بل ينتقلون من صالة العرض إلى الذاكرة الجماعية.
وداعًا أيها الفيلسوف الهادئ.. وداعًا لمن جعل من السينما محرابًا للتأمل، ومن الصورة نبضًا للحرية، ومن الحكاية مرآةً لوجع الإنسان وأحلامه المؤجلة.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية