تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > أشرف محمود > رحل الجسد وبقى الأثر.. وداعا فهمى عمر!

رحل الجسد وبقى الأثر.. وداعا فهمى عمر!

الكتابة عن الرموز عند رحيلهم أمر بالغ الصعوبة، خصوصا إذا ما كان الرمز المراد رثاؤه بمثابة الأب والمعلم والقدوة، وهو ما شعرت به وأنا أحاول الكتابة عن الرائد الإذاعى القدير الخال فهمى عمر الذى وافته المنية ظهيرة الأربعاء الماضى السابع من رمضان،

وكان وقع الخبر على كالصاعقة، رغم الإيمان التام بأن الموت حقيقة مؤكدة وكلنا ذاهبون، لكن الفجأة أصابت القلب فى مقتل، وتركت ألما يصعب وصفه، فالفراق له قسوة تتألم منها النفس، وتبدو الحياة بلا قيمة بدون الأحباب، فما بالنا والذى غادر دنيانا أب ومعلم وقدوة، كان لى أبا بعد رحيل أبي، لم يبخل على يوما بدعم أو نصح، أكرمنى الله إذ جعلنى من المقربين إليه، كان يرانى بمثابة الابن، وكان من يرغب فى لقائه من الإعلاميين المصريين والعرب يتواصلون معى لكى يتمكنوا من لقائه.

 

كنت أسعد باتصاله فور قراءته لمقالى بالأهرام يوم الأحد ليقول لى رأيه فيما كتبت، ويمنحنى وساما كل أسبوع، والأروع أنه كان يطلب منى أن أنقل إشادته الى الزملاء الذين أعجبته كتاباتهم ويزيد بطلب أرقام هواتفهم ليتواصل معهم ويحييهم بنفسه، فكان داعما ومشجعا للجميع،

وكان آخر اتصالاته قبل وفاته بيومين ودار بيننا حوار عن رمضان فى الصعيد وجلسات المساء بعد التراويح فى مجلس العائلة، وتحدثنا عن يوم الأكل العالمى الذى كان يقيمه كل عام قبل رمضان وكان يوم 13 فبراير الماضى آخر مرة، وابلغنى أنه سيعود الى القاهرة أول مارس لنتفق على موعد إفطارنا السنوى مع الأصدقاء فى نادى الجزيرة،

لكن يبدو أن المكالمة كانت للوداع ياخال، وكنت أظنها مكالمة كسابقاتها ستلحق بها مكالمات أخرى إلى أن يكتب الله لنا اللقاء عند عودتك إلى القاهرة، لكن القدر شاء أن يضم ثرى الرئيسية مسقط رأسك ومهد صباك وأرض أحلامك التى كنت نجمها وكبيرها ومصدر فخرها وعميد عوائلها وشيخ قبائلها، وجامع شمل المتنافرين ورافع راية المصالحات، لتحضن جسدك فلا تدفن بعيدا عنها،

كان القدر رحيما بك فلم تشك ألما، كنت بكامل صحتك وذاكرتك، حتى حانت ساعة الرحيل، التى شاء الله أن تكون فى أيام الرحمة والمغفرة من شهر رمضان المبارك،

لن اكتب رثاء فمثلك لا يرحل، وهل يرحل من كان ينثر الحب بين الناس أينما حل أو ارتحل، وهل يرحل من كان يحرص على جبر الخاطر مع الجميع قريبا كان أم غريبا، وهل يرحل من علم تلاميذه أصول المهنة على قاعدة أساسها الأخلاق قبل الأداء، وهل يرحل الذى كان يؤمن بأن الإعلام تثقيف يرفه وترفيه يثقف، فلا مجال للإثارة أو التهويل،

وهل يرحل الذى كان يحرص على المعلومة الصحيحة حتى وان كانت على حساب السبق الوهمي، وهل يرحل من أرسى قواعد الانضباط فى المظهر والجوهر، وهل يرحل من كان يحمل هموم محبيه ويبحث معهم عن سبل حلها، وهل يرحل من كان يشجع ويدعم تلاميذه بصفة دورية،

وهل يرحل من كان يبحث عن المجيدين ليشيد بهم ويشد من أزرهم، وهل يرحل من وضع حدا فاصلا بين الانتماء والمهنية، فرغم انتمائه وحبه لنادى الزمالك كان منصفا فى عمله يعطى كل ذى حق حقه، ولم يكن يوما من دعاة التعصب الذين انتشروا فى حياتنا هذه الأيام لأنهم لم يجدوا من يعلمهم أصول الانتماء،

كان كثيرا ما يقص على قصصا من علاقاتهم الوطيدة بالأهلى ونجومه، وعن الجلسات التى جمعته مع رموز الأهلى فى مقر الأهلى بالجزيرة أو فى ميت عقبة مقر الزمالك، وكانت فى إطار من المحبة والأخوة إما المنافسة فكانت تقتصر على الملاعب فقط،

الخسارة فادحة برحيل الخال فهمى عمر الإذاعى الذى قدم كل فنون العمل الإذاعى من سياسة وثقافة ومنوعات ورياضة ونجح فيها جميعا بامتياز، فمن ينسى مجلة الهواء ومن ينسى ساعة لقلبك ومن ينسى بيان ثورة 23 يوليو 1952 عندما قدم الرئيس الراحل محمد أنور السادات ليلقى البيان،

ومن ينسى التعليق على مباريات الدورى فى الساعة السابعة وخمس دقائق، حيث كانت الحياة تتوقف عند عشاق الرياضة ويلتفون حول المذياع لسماع تعليقه البديع بلغته الراقية وتعبيراته الجذابة وأسلوبه المشوق ليتعرفوا على نتائج مباريات كرة القدم،

كان عاشقا للقراءة يقبل عليها بنهم، وكان محبا للأهرام متابعا لكل إصداراتها وكتب لفترة طويلة مقالا أسبوعيا فى الأهرام المسائي، ومن عشقه للأهرام اليومى أنه وفور انتهائه من قراءته إذا ما وجد خطأً فى معلومة جاءت فى مقال أحد الكتاب، يسارع بالاتصال ليبلغنى بالخطأ مستنكرا أن تقع الأهرام فى مثله أيا ما كان ومطالبا بالتصويب وهو ما حدث أكثر من مرة، خصوصا فيما يتعلق بثورة يوليو وحريق القاهرة على سبيل المثال،

رحيلك أحزننا يا خال لكن عزاءنا أن أثرك باق بيننا.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية