تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
ابنتى والكلب!
دلفت إلى داخل منزلى فى نهاية مطافات السعى (كالعادة) ، فوجدتنى بمواجهة كلب صغير يهز ذيله ناظرًا تجاهى بتأمل واستغراب؛ فلما سألت أى ريح طيبة جاءت به؟ قيل: هو هدية لابنتى نور؛ التى أسرعت نحو كلبها تحمله بلهفة شديدة خوفًا من ردة فعلى تجاهه؛ وعيناها المتلهفتان (تكاد) تصيح: إياك أن تفكر للحظة فى طرده من المنزل؛ فهو أمر واقع؛ وعليك أن تختار بمنتهى الوضوح والصراحة ما بين وجوده ووجودك أنت فى هذا المنزل (حال الرفض).!!
ولأننى أتفهم طبيعة البنات فى هذه السن الحرجة (جدًا)؛ وأتفهم تمامًا رغبتهن الجارفة فى إثبات الذات، والشعور بالاستقلال؛ فضلًا عن ذلك الشعور الفطريّ الجارف لديهن فى ممارسة الأمومة المبكرة؛ كان لزامًا على أن أبتلع مرارة هذا الموقف؛ وأقبل بوجود هذا الكائن بالمنزل؛ وأحاول جاهدًا أن أتعايش مع فكرة وجوده كفرد من أفراد الأسرة!! تعايشت على مضض مع ذاك الكلب لأيام؛ وهو الذى لم يترك مكانًا إلا ووضع لنا فيه (بصمته)؛ لا ينام؛ ولا يتركك تنام؛ وقد تبدلت رائحة المنزل إلى ما يشبه حظيرة الحيوان بوجوده!!. وفى منتصف ليلة ليلاء، وبينما أستعد للنوم؛ لاحظت اختفاء ابنتى من المشهد العائلى تمامًا؛ وإن مايزال الكلب يطوف بالمنزل؛ ولاحظت أن هناك محاولة للإلماح بأن مشكلة ما قد وقعت؛ قفَزَت معها إلى عقلى احتمالات جنونية عدة؛ كان أهونها مثلًا أن يكون ابنتى قد أكلها الكلب!!. ولكنهم صارحونى بأنها بخير؛ وأن الأمر لم يتعدَ كون الكلب قد قام بعضّها ـ نور؛ ولكونهم يعلمون طبيعتى، فقد بادرونى بأنه لا داعى للقلق مطلقًا؛ ذلك لأنها قامت بغسل الجرح جيدًا؛ وأن الأمور تسير على ما يرام!! تمالكت أعصابى؛ فسألت: وأين كانت تلك العضة إذن؟ قيل: عضة بسيطة جدًا (فى وجهها)!!
وفى هذه اللحظة، أنا لا أتذكر يقينًا متى وكيف قمت من مكاني؛ وفى أى غرفة عثرت على ابنتي؛ وكيف اصطحبتها إلى خارج المنزل؛ وكيف أصبحنا جميعًا فى داخل السيارة؛ وكيف وصلنا إلى مستشفى زايد العام؛ ومَن مِن أطباء الطوارئ قابلناه؛ ومن ذا الذى دلّنا على وحدة التطعيم ضد مرض السعار الكائنة بالمستشفى!!.. فلما دلفنا إلى داخل الوحدة، سأَلَ الموظف: أين عضها الكلب؟ قلت: جرح بسيط فى وجهها؛ وقد قامت بتنظيفه على الفور (أى كلام)؛ وهنا خلع الموظف نظارته؛ وأعاد سؤاله: فى وجهها؟ قلت: نعم؛ قال: عفوًا، لابد من تحويل ابنتك فورًا إلى مستشفى عام آخر بمدينة أكتوبر؛ لعرضها على طبيب متخصص؛ لتلقى لقاح من نوع آخر علاوة على الموجود بهذا المستشفى!!
قلت أى لقاح هذا؟ قال: نظرًا لاقتراب العضة من المخ؛ ونظرًا لبطء مفعول اللقاح العادي؛ فلابد من أن تتلقى ابنتك لقاحًا تحفيزيًا من شأنه الإسراع بمفعول اللقاح العادي؛ والذى يتألف من أربع جرعات ستتلقى أول جرعة منه هنا الآن؛ ثم تتلقى بقيتها وفق جدول زمنى ملزم محدد التواريخ!!
ذهبنا إلى ذلك المستشفى فى جنح ليلٍ بهيم؛ والحقيقة أن حاله لم يكن يبشر بالخير أبدًا؛ إذ كانت ردهاته الطويلة المظلمة أشبه بسلة مهملات كبرى؛ تعيث فيه (القطط الضالة) فسادًا بشكل ملحوظ!! حدثتنى نفسي: أى (خبير سعار) هذا الذى سنهتدى باستشارته؛ وهو القابع أصلًا داخل مستشفى ملىء بجميع محفزات السُعار؛ وأمراض أخرى ربما لم يتوصل العلماء لعلاج بشأنها بعد؟
وفى غرفة رثة متهالكة الأركان والأثاثات، قام الطبيب المختص بمعاينة الإصابة؛ وأقر بضرورة تلقى ابنتى تلك الحقنة؛ ولكن هذه المرة (فى وجهها)!!
ولماذا هذا العنف يا هذا؟ قال: إن اقتراب العضة من المخ يحتاج إلى تلقى الحقنة فى موضع الجرح؛ لتحفيز المصل على العمل بمدة زمنية أسرع من تلك التى يستغرقها فى الحالات المعتادة؛ خوفًا من وصول الفيروس إلى المخ بسرعة أكبر من مفعول المصل نفسه؛ والذى ستستغرق بداية عمله نحو 20 يومًا (على الأقل)!!
ولقد كان لزامًا علينا أن نبحث عن وحدة السُعار بهذا المستشفى المتهالك؛ أما الصعوبة فلم تكن فى إيجاد تلك الوحدة، بقدر ما كانت فى العثور على (أحياء) من شأنهم أن يدلونا على مكانها؛ إذ كانت الردهات والمكاتب خاوية تمامًا على عروشها!! وبينما نحن نسير بقِطَعٍ من الليل، عثرنا على عاملة نظافة ارتكزت بذراعيها على أحد المكاتب؛ تغط فى نوم عميق؛ بعد يوم عملٍ شاق تبدو نتائجه (واضحة) فى كل أركان وردهات المستشفى!!. انتفضت العاملة من نومها آسفةً؛ ثم اتجهت نحو (سرداب ما) بداخل المبنى؛ لتأتينا بالممرضة المسئولة عن تلك الوحدة!!. وبعد نحو نصف الساعة؛ جيء بممرضة حادة المزاج، تشعرك فى كل لفتة بأنك قد ارتكبت جرمًا لن يغتفر؛ حين جئت بمصابك هذا والناس بالمستشفى (نيام)!! واصطحبتنا الممرضة فى أجواء صمت مهيب إلى فناء خارج مبنى المستشفى؛ ملىء بكل أنواع المخلفات وربما كلاب ضالة أيضًا؛ يتوسطه كشك خشبى يُرثى لحاله؛ تظنه للوهلة الأولى مسكنًا لغفير حراسة أو ماشابه؛ قيل إنها وحدة السُعار!!
عدنا باللقاح، والممرضة، والمصابة إلى الطبيب المختص؛ يحدونا الأمل، ليس فقط فى وقف انتشار فيروس السُعار، وإنما فى (النجاة) من أى فيروس آخر، لا يعلمه إلا الله، قد نصاب به جميعًا من جراء وجودنا بهكذا مكان!! وسؤالى هو : ترى كيف سيكون الحال لو لم يتوافر هذا اللقاح فى لحظة الإصابة؟ أوليس هذا أمرا وارد الحدوث فى ظل وجود أعداد كبيرة من المصابين (يوميًا)؛ وأعداد كبيرة (جدًا) من كلاب ضالة؛ تتراوح، بحسب الهيئة العامة للخدمات البيطرية، ما بين 10 و14 مليون كلب ضال على مستوى الجمهورية؛ فى حين تشير التقديرات (غير الرسمية) إلى أن الأعداد بلغت نحو 40 مليون كلبًا (وهذا هو الأقرب للواقع)؛ أى بمعدل كلب ضال لكل ثلاثة مواطنين!!
إن إجراءات تطعيم الكلاب الضالة تلك التى يمنون الناس بها هى إجراءات غير منطقية؛ وسط هكذا فوضى كلاب ضالة بمختلف الأحياء والشوارع؛ تحتاج إلى جرعات تنشيطية سنويًا؛ وإلا استفحل السعار بأجسادها دون أن ندري؛ فما يعود لتلقيحها وقتئذٍ معنى!! أتريد إقناعى بأن هناك خطة (مدروسة مثلًا) تضمن متابعة دقيقة لجدول تطعيم (كل) كلب ضال و(كل) قطة ضالة على حدة لسنوات وسنوات لضمان سلامة الناس؟ الأمر جد خطير ولا يجب الاستهانة به!!
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية