تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

أسبوعان فى إيران

تلك الحرب الضروس التى تدور رحاها حاليا بين كل من الولايات المتحدة وإسرائيل فى مواجهة إيران، توقعتها وكتبت عنها وعن سيناريوهاتها فى زاوية مقالى، لأكثر من عشر سنوات، وكانت حجتى بعد أن زرت إيران ومكثت بها أكثر من أسبوعين بصحبة وزير الخارجية الأسبق أحمد ماهر، وكان ذلك قبل أن يغادر منصبه فى يوليو عام 2004، ان أطماعها فى الخليج والعالم العربى لا حدود لها، وان حربهم القادمة مع تل أبيب ليس من اجل القدس ولا القضية الفلسطينية، بل أيهما يتسيد المشهد فى الإقليم، وهو صراع نفوذ وامتلاك قدرات توازن القوة والردع بين كل منها، فى مواجهة المصالح العربية، وكنت أقول لابد ان تقع حرب بينهما حتى نتخلص منهما ومن شرورهما، وننعم بعد ذلك ببعض الاستقرار والحفاظ على مقتضيات الأمن القومى العربى، حيث كلا البلدين خطر داهم على عالمنا العربى، فالأولى إسرائيل بلد الاحتلال والاغتصاب للحقوق العربية استراتيجيته متأصلة فى العقيدة الصهيونية، وأن مشاريع السلام معها، مجرد تأجيل لموجات قادمة من الحروب، والثانية طهران بلد عقيدته تصدير الثورة الإيرانية والسيطرة على الخليج والعالم العربى، وتأجيج الصراعات فى الإقليم على حساب المصالح والحقوق العربية وتصدير الفتن والمؤامرات ضد كل عربى، حتى إننا فى مصر لم نسلم من الأذى الإيرانى عقودا، ولكم أن تسألوا وزراء خارجية مصر السابقين، حيث كان لديهم عشرات التقارير والأدلة الاستخباراتية التى تصلهم تباعا عن سلوك القيادة الإيرانية تجاه المصالح المصرية، هكذا حدثنى الوزير احمد ماهر وأنا معه على الطائرة إلى طهران.

 

كانت الزيارة نهاية مارس، أى منذ أكثر من عشرين عاما، وكنت الصحفى الوحيد من مراسلى وزارة الخارجية فى ذلك الوقت، الذى اختارنى لمرافقته لحضور اجتماعات وزراء خارجية الدول الإسلامية بالعاصمة الإيرانية طهران، فى زيارة تمتد ثلاثة أيام، وبعد حضور الاجتماعات فى اليوم الثالث، ذهبت بصحبة الوزير ماهر إلى مقر الرئيس الإيرانى آنذاك محمد خاتمى، حيث قدم له رسالة من الرئيس مبارك، ومن بعدها اذهب معه إلى المطار لنعود إلى القاهرة، وفى نهاية مباحثاته همست فى أذنه، برغبتى بالبقاء فى إيران عشرة أيام لإجراء عدة مقابلات صحفية وإعداد تقارير للنشر عن إيران من الداخل، ويومها انزعج من الطلب، وانتحى بى جانبا وأبلغنى بضرورة العودة معه، لان البلد معقد التركيبة السياسية والأمنية، وأنهم لن يسمحوا لى بحرية الحركة، وربما يلحق بى بعض الأذى، إذا شعروا اننى أجمع معلومات صحفية لا يريدون نشرها، ومع تصميمى على البقاء، نادى السفير شوقى إسماعيل وكان رئيس مكتب بعثة المصالح المصرية فى طهران، وأوصاه برعايتى حتى أعود إلى القاهرة.

وبالفعل مكثت لمدة أسبوعين فى إيران أخرج إلى شوارع طهران وحدى لأكثر من 12 ساعة يوميا، أزور كل الأماكن ومناطق التجمعات وأركب سيارات التاكسى، وأحاول التحدث مع من يتقنون اللغة العربية، وأسعى للتعرف على أوضاع الإيرانيين فى ظل حكم الولى الفقيه، وكيفية صناعة القرار السياسى داخل طهران، وخلصت أن هناك ثلاث جهات هى من تتحكم برقاب الإيرانيين، شخص المرشد على خامنئى والحرس الثورى وقوات الباسيج (التعبئة العامة)، التى تتولى السيطرة الأمنية فى المراقبة والمطاردة وملاحقة كل من يتذمر من سوء الأوضاع الأمنية أو الاقتصادية، ناهيك عن التضييق والقمع الذى يتجاوز كل الحدود، وتلمست سوء الأوضاع المعيشية للإيرانيين عن قرب، وكنت أتساءل كيف لبلد لديه ما يكفى من الموارد مشتقات البترول والغاز حيث يحتل المرتبة الرابعة فى إنتاج أوبك، والمرتبة الثانية فى إنتاج الغاز عالميا، وهكذا تصير حياة مواطنيه فقرا وبؤسا، إضافة إلى انه بلد كما رأيته يخاصم مسارات التنمية، فلا مشاريع كبرى ولا استثمارات، ولا برامج اجتماعية لتحسين جودة حياة الشعب الإيرانى، وعندما تستفسر ممن يثقون بك، يصارحك البعض خفية، أن الأموال تذهب للمرشد حيث يمتلك وحده المليارات فى حسابات خاصة، أو إلى الحرس الثورى من أجل إعداد البلاد لساعة المواجهة مع الشيطان الأكبر أمريكا ومن ورائها إسرائيل، وعندما تستفسر من البعض هل أنتم مستعدون لتلك اللحظة وساعة المعركة مع إسرائيل؟ يجيبك هكذا نجيش عبر خطاب إعلامى صارخ منذ ثورة الإمام الخومينى.

فى المقابل وبناء على تكليف الوزير احمد ماهر للسفير شوقى إسماعيل، أرسل الأخير سلسلة خطابات من مكتب رعاية المصالح المصرية، يطلب لى إجراء سلسلة حوارات مع كبار المسئولين الإيرانيين آنذاك الرئيس محمد خاتمى، وهاشمى رافسنجانى رئيس مصلحة تشخيص النظام، وكمال خرازى وزير الخارجية، وغيرهم من الوزراء والمرجعيات الدينية الشيعية، وانتظرنا أسبوعين، وكان الجواب أن البلاد فى عطلة لمدة عشرة أيام، احتفالا بالذكرى الخامسة عشرة لوفاة الإمام الخومينى الذى توفى عام 1989، وبعدها ابلغنى السفير أنهم لن يستجيبوا فهذا نظام لا يحب العرب ولا يؤمن بالخير لمصر باعتبارها دولة كبرى تقف بالمرصاد ضد مشروعهم فى الخليج والعالم العربى، وأنهم والإسرائيليين من يصلحان لمواجهة بعضهم البعض، فلهما مآرب كارثية ضدنا كعرب، وصراعهما لتقسيم المنطقة والاستحواذ عليها لمن ينتصر فى حربهما عندما تقع.

أتذكر وأنا فى طريقى من الفندق إلى المطار للعودة ان سألت سائق السفير المصرى آنذاك، عن سبب صعوبة الحياة فى إيران وتراجعها، فأجابنى بان النظام الحاكم كذاب وسارق للبلد، وعندما عدت كتبت سلسلة تقارير ومقالات، افتتحتها بمقال «الإيرانيون كاذبون مراوغون مناوئون»، وبعدها قامت على القيامة فى الإعلام الإيرانى لمدة شهر متواصل.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية