تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
مفاوضات جنيف.. مناورات وتنازلات
جولة جنيف «انتهت بلا اتفاق ولم تفشل».. هذا صحيح كخبر، لكنه غير كافٍ كتحليل. الأهم أن جنيف -كما عكستها الروايات المتقاطعة- أعلنت انتقال الأزمة من منطق التفاوض إلى منطق الإكراه: أن تصبح الدبلوماسية أداة لتبرير القوة، وأن تتحول القوة إلى جزء من نص التفاوض، هنا لا يعود سؤالنا: لماذا رفضت إيران؟ بل: هل صممت واشنطن شروطًا تُقبل، أم شروطًا تُرفض لتُفتح بعدها المرحلة التالية؟
وفق وول ستريت جورنال، ما طُرح على الطاولة كان أقرب إلى «تفكيك كامل» منه إلى اتفاق: تدمير مواقع رئيسية، تسليم المخزون، وقيود دائمة بلا نهاية، هذه ليست صيغة «منع قنبلة» فقط؛ إنها صيغة «منع القدرة» وإغلاق الملف إلى الأبد ومن الطبيعى -بل شبه الحتمى- أن ترفضها طهران، ليس لأن إيران لا تريد اتفاقًا، بل لأن قبولها يعنى إعادة تعريف الدولة لنفسها: من دولة تملك برنامجًا تعتبره سياديًا إلى دولة تُجرَّد منه تحت التهديد، هذا التحول فى سقف الشروط يُنتج معنى واحدًا: واشنطن لم تعد تفاوض على خطوط حمراء، بل تفاوض على «استسلام».
لكن لماذا قد تختار واشنطن سقفًا يعرف الجميع أنه صعب القبول؟
هنا تظهر فرضيتان وكلتاهما خطيرة؛ الأولى: أن واشنطن تريد بالفعل إنهاء المشكلة جذريًا بعد سنوات من «اتفاقات مؤقتة» تعتبرها فاشلة، وتعتقد أن الفرصة نادرة لفرض تفكيك كامل تحت مظلة حشد غير مسبوق. والثانية: أن واشنطن تريد أن تصل إلى لحظة تقول فيها للعالم وللداخل الأمريكى: «جربنا الدبلوماسية.. والرفض جاء من طهران»، فتُنتج شرعية سياسية لعمل عسكرى كان مكلفًا تسويقه وتبريره قبل ذلك فى الحالتين، تتحول جنيف من مائدة تفاوض إلى محطة «تأسيس سردية».
وهنا يدخل العامل العسكرى ليس كخلفية، بل كـ«آلية قرار». وول ستريت جورنال تحدثت عن جسر جوى مقاتل، وأسطول بحرى كثيف، وتحرك حاملة إضافية نحو شرق المتوسط.. هذه ليست رسائل ردع فقط؛ هى طريقة لتقصير زمن طهران؛ لأن الفكرة الأساسية فى الإكراه هى أن تمنع الخصم من شراء الوقت، إيران عاشت طويلًا على مهارة إدارة الوقت: مفاوضات، مراجعات، وساطات، ثم عودة إلى نقطة وسطى، واشنطن فى هذه المرحلة تريد انتزاع هذه المهارة، فتقول عمليًا: الوقت لم يعد ملكك.
لكن الإكراه حين يُستخدم ضد دولة بحجم إيران، فإنه يخلق مشكلة أخرى للولايات المتحدة: الإكراه يحتاج إلى «هدف واضح» و«خطة خروج» وهنا تُدخلنا نيويورك تايمز فى العقدة الأشد حساسية: أن الضربة قد تُستخدم كعرض «رمزى» لا كخطة. الصحيفة تتحدث عن إدارة تبحث عن «كلمات سرية» تريد أن تسمعها من طهران («لن نمتلك سلاحًا نوويًا أبدًا»). ثم تُقدّم ذلك كنصر سياسى، بينما يحذر قادة عسكريون واستخباراتيون من أن الضربة -خصوصًا المحدودة- قد لا تُنتج تنازلًا أكبر من اتفاق 2015، وقد تفعل العكس تمامًا: تدفع إيران إلى القناعة بأن أفضل ضمان للبقاء هو امتلاك السلاح، هذه ليست زاوية أخلاقية؛ هذه زاوية «عكسية النتائج»: عندما تضغط بقوة دون مخرج مُقنع، قد تصنع الدافع الذى تزعم بأنك تحاربه.
وتزيد «نيويورك تايمز» خطورة الصورة حين تنقل تحذيرًا ميدانيًا: الذخائر المتاحة لحملة موسعة تكفى أيامًا محدودة، معنى ذلك أن خيار «الضربة الشاملة» ليس قرارًا سياسيًا فقط، بل قرار قدرة تشغيلية، إذا لم تكن لديك القدرة على الاستمرار، فأنت أمام خيارين كلاهما سيئ: إما ضربة قصيرة لا تُنهى المشكلة وتتركك أمام رد إيراني، أو توسع تحتاج له إلى موارد إضافية وزمن وغطاء سياسى أكبر، هذا يفسر لماذا تُبقى واشنطن باب «المسار الفنى فى فيينا» مفتوحًا: لأنها تريد الاحتفاظ بخيار سياسى يحميها من الوقوع فى حرب لا تملك لها مخزون الاستمرار.
فى المقابل، «فايننشال تايمز» ترسم صورة مختلفة من داخل اللحظة نفسها: «تقدم ملموس» ونقل المباحثات الفنية إلى فيينا، مع تحرك تشريعى فى الكونجرس لتقييد قرار الحرب، هذا لا يلغى رواية التشدد، بل يكشف أنها ليست متماسكة بالكامل داخل واشنطن: هناك ضغط عسكرى ورسائل متضاربة، وفى الوقت نفسه قلق داخل مؤسسات الحكم من أن إدارة الأزمة بالتهديد وحده قد تقود إلى قرار حرب دون تفويض واضح، عندما يتحرك الكونجرس لمنع حرب دون موافقة، فهذا يعنى أن الطبقة السياسية الأمريكية نفسها غير مطمئنة إلى أن «المسار واضح»، وأن إكراه إيران قد يتحول إلى تورط لا يمكن التحكم فيه.
وعلى الضفة الإيرانية، الصورة ليست أقل تعقيدًا، إيران -كما تكشف نيويورك تايمز- قدمت عروضًا تحمل تنازلات كبيرة، لكنها مصممة لحماية المعنى السيادى: تجميد مؤقت، تخصيب منخفض لأغراض طبية، كونسورتيوم إقليمي، تفكيك تدريجى للمخزون تحت رقابة الوكالة، وفتح بوابة اقتصادية للشركات الأمريكية، هذه ليست «مناورة بسيطة»، بل محاولة لإيجاد ممر يحفظ ماء الوجه: أن تُقدّم ما يكفى لتجنب الضربة دون أن تقول داخليًا إنها «استسلمت» لكن واشنطن -وفق رواية جنيف- تريد صفقة تُغلق الملف نهائيًا وتمنع إعادة البناء، بينما طهران تريد صفقة تمنع الحرب، وتبقى حقًا رمزيًا يثبت أن الدولة لم تُجرد.
وهنا تحديدًا يظهر لبّ الأزمة: ليست «صفر تخصيب» مقابل «حق التخصيب»، بل صراع على مفهوم الردع، واشنطن تتعامل مع التخصيب باعتباره بابًا يمكن أن يعود منه خطر القنبلة، وطهران تتعامل معه باعتباره شهادة على السيادة لا يمكن إسقاطها دون أن يتحول النظام إلى صورة مهزومة أمام الداخل؛ لذلك يصبح الحل الحقيقى -إن وُجد- ليس فى «نسبة تخصيب»، بل فى هندسة ضمانات يمكن التحقق منها دون أن تُفرض كإذلال، أى صيغة تُرى كإذلال ستفشل، وأى صيغة تُرى كتهرب ستفشل كذلك، هذه هى المأساة التى تجعل الخيارات ضيقة على الطرفين.
فى رأيى، جنيف كشفت ثلاث حقائق قاسية:
أولًا: واشنطن قررت أن تخرج من منطق إدارة الأزمة إلى منطق حسمها، لكنها لم تحسم بعد هل الحسم يعنى اتفاقًا نهائيًا أم ضربة تُعيد التفاوض بشروط أعلى.
ثانيًا: طهران تريد «تفاوضًا يمنع الحرب»، لكنها تريد أن تخرج منه وهى تحتفظ ببذرة سيادة تمنع الانكسار الداخلى.
ثالثًا: المنطقة كلها دخلت مرحلة «الخطأ المكلف»: أى حادث بحرى أو صاروخى أو رد من وكيل يمكن أن يحول الإكراه إلى حرب قبل أن يقرر أحد أنه يريد الحرب.
لهذا لا أرى جنيف محطة فشل، بل محطة انتقال، الانتقال من التفاوض كغاية إلى التفاوض كوسيلة، والوسيلة هنا قد تُفضى إلى اتفاق إذا انخفض سقف الإذلال وارتفعت جودة الضمانات، وقد تُفضى إلى مواجهة إذا استمرت واشنطن فى كتابة شروط لا تصلح إلا لتسجيل الرفض. وفى الحالتين، لم يعد السؤال: «هل يمكن إنقاذ الدبلوماسية؟» بل: هل يمكن إنقاذ القدرة على التحكم فى التصعيد قبل أن يفرض التصعيد منطقه على الجميع؟
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية