تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
كيف تُدار الفوضى في الشرق الأوسط؟
في أوقات الأزمات الكبرى، أخطر الشهادات تلك التى تصدر من داخل المعسكر نفسه، ولهذا تكتسب تصريحات شخصية أمريكية بحجم تاكر كارلسون - إعلامى وصحفى يمينى أمريكى- دلالة خاصة، ليس لأنه يملك الحقيقة المطلقة، بل لأنه ينطق من داخل البيئة السياسية والإعلامية الأمريكية نفسها، ثم يقول بوضوح ما يحاول كثيرون تجميله أو تغليفه: أن أي حرب على إيران لن تبقى داخل حدود إيران، وأن الطريق إلى طهران ـ إذا فُتح عسكريًا ـ لن يمر إلا عبر تفجير استقرار الخليج وجرّ المنطقة كلها إلى فوضى واسعة.
هذه الشهادة لا ينبغي أن تُقرأ كـ“رأي إعلامي” أو مجرد تسجيل أو توصيف للمشهد، بل تسلط الضوء على منطق أعمق يحكم ما يجري، لأن المسألة ليست فقط ضربة هنا أو تصعيدًا هناك، بل تصور كامل لإدارة الشرق الأوسط: ضرب مراكز القوة، إنهاك الدول، تفكيك التوازنات، ثم إعادة تركيب المشهد على خرائط جديدة تُناسب مصالح القوى الكبرى ومشروعات إسرائيل الأمنية والسياسية، ما يبدو أحيانًا كأنه تصعيد غير محسوب، يكون في أحيان كثيرة جزءًا من هندسة فوضى مقصودة، هدفها أن تدخل المنطقة مرحلة إعادة تشكيل طويلة، يُعاد فيها توزيع النفوذ والحدود والأدوار.
ومن هنا تصبح الفكرة التي طرحها كارلسون ـ أن حربًا على إيران ستنشر الفوضى والاضطراب في دول الخليج، الأقرب تحالفًا للولايات المتحدة ـ أكثر من تحذير، إنها وصف حقيقي لطبيعة النظم الإقليمية المترابطة، في العلوم السياسية حين تضرب دولة محورية داخل نظام إقليمي شديد التشابك، لا تنتج أثرًا موضعيًا، بل سلسلة ارتدادات: طاقة، ملاحة، استثمار، أمن غذائي، توتر طائفي، وانقسام سياسي، أي أن الخليج لن يكون مجرد “داعم من الفناء الخلفى”، بل سيتحول—بحكم الجغرافيا والاقتصاد وقرب المصالح—إلى ساحة اشتباك و دفع ثمن، سواء أراد أو لم يُرد.
وهنا يجب أن نقرأ الأمر بعقل بارد: لماذا قد تُدفع المنطقة إلى هذه الحافة أصلًا؟ لأن هناك دائمًا إغراءً استراتيجيًا لدى القوى الكبرى في التعامل مع الشرق الأوسط بوصفه مساحة قابلة لإعادة التشكيل كلما تعقدت المصالح أو اختلت الموازين بدلًا من تسوية المشكلات، يُعاد تعريفها بدلًا من إطفاء الحرائق، يُعاد توجيهها وبدلًا من حماية الدول الوطنية، تُترك تحت ضغط النزاعات حتى تضعف، ثم يُعاد التفاوض على أدوارها وحدود حركتها. هذه ليست نظرية مؤامرة؛ هذه طريقة معروفة في إدارة الأقاليم المضطربة: اضبط الفوضى ولا تمنعها بالكامل، لأنها تمنحك الحاجة الدائمة إلى الوساطة والسلاح والحماية وإعادة التموضع.
في هذه النقطة بالذات تلتقي المصلحة الأمريكية الأكثر تشددًا مع المصلحة الإسرائيلية الأكثر اتساعًا، إسرائيل لا تنظر إلى إيران فقط كخصم مباشر، بل كعقدة مركزية في كل شبكة النفوذ التي تعارض مشروعها التوسعي و تفوقها الكامل في الإقليم، ولذلك فإن أي حرب على إيران ليست—في الحساب الإسرائيلي—مجرد ردع لبرنامج نووي أو رد على صواريخ، بل فرصة لإعادة فتح الخريطة كلها: لبنان، العراق، سوريا، الخليج، والبحر الأحمر وعندما تتسع ساحة الحرب، لا يكون الهدف فقط هزيمة عدو، بل إعادة تعريف البيئة الإقليمية كلها بحيث تصبح أكثر قابلية للسيطرة وأقل قدرة على المقاومة المنظمة.
ولهذا يصبح الحديث عن “حرب دينية” أو “مواجهة وجودية” جزءًا من الخطر، لا مجرد وصف له لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في الشرق الأوسط هو نقل الصراع من مستوى السياسة والمصالح إلى مستوى العقائد والهويات عندها لا تعود الحرب نزاعًا يمكن التفاوض على نهايته، بل تتحول إلى معركة مفتوحة قابلة للتجدد، تُنتج تعبئة عاطفية وطائفية ومجتمعية واسعة وهذا تحديدًا هو الباب الذي إذا فُتح، فلن تكون دول الخليج وحدها تحت الضغط، بل المنطقة كلها إذ عندها لا تعود المسألة صواريخ وقواعد، بل مجتمعات مستنفرة، وأسواق مذعورة، وخطابات تعبئة، ونار يصعب حصرها داخل جبهة واحدة.
ومن هنا أيضًا نفهم قيمة الموقف المصري، لا بوصفه موقفًا عاطفيًا ضد الحرب، بل بوصفه قراءة دولة تفهم معنى انهيار الإقليم حين تحدث الرئيس عبد الفتاح السيسي بوضوح عن أن المنطقة تتغير، لم يكن يتحدث عن تبدل تحالفات فقط، بل عن تحول في طبيعة المخاطر نفسها فالمنطقة لم تعد تواجه أزمة واحدة هنا أو هناك، بل تواجه مشروع تفكيك شامل إذا انفلتت الحروب من عقالها ولهذا تصر القاهرة على أن وقف الحرب ليس رفاهية سياسية، بل شرط لحماية الدول الوطنية، والمؤسسات الوطنية، وبنية المجتمعات نفسها من الانهيار تحت ضغط الفوضى الممتدة.
وإذا كانت مصر تتحدث من موقع الدولة التي تعرف ثمن انهيار الإقليم، فإن شهادة شخص أمريكي من داخل البيت نفسه يؤكد صدق موقف قيادتنا السياسية ووضوح رؤيتها وواقعيتها -وإن كنّا لا نحتاج شهادة أو أدلة- هنا يصبح المعنى أوضح: لسنا أمام قراءة عربية “منفعلة” أو “منحازة” فقط، بل أمام إقرار من داخل المشهد الغربي بأن الدفع نحو هذه الحرب يحمل في داخله بذور تفجير واسع للمنطقة وهنا فعلًا يمكن القول: شهد شاهد من أهلها ليس لأن شهادته تُغني عن التحليل، بل لأنها تكشف أن ما يُرى من القاهرة ليس وهمًا ولا مبالغة، بل قراءة تدعمها حتى أصوات من داخل المعسكر الذي يصنع القرار أو يبرره.
لكن يجب أن نكون واضحين في نقطة أساسية: العرب لن يقفوا متفرجين إذا تحولت الحرب إلى مشروع لإعادة تفتيت الإقليم قد تختلف أشكال الرد، وقد تختلف الحسابات من دولة إلى أخرى، لكن فكرة أن المنطقة ستُعاد هندستها بينما تلتزم الدول العربية الصمت الكامل هي فكرة غير واقعية لأن اتساع الحرب سيضرب المصالح الحيوية مباشرة: الأمن، الطاقة، التجارة، الاستقرار الداخلي، وحركة المجتمعات نفسها وحين تُمس هذه الدوائر، لا يعود الحياد قرارًا سهلًا ولهذا فإن أخطر ما في التهور بالحرب ليس فقط أنها قد تقع، بل أنها إذا اتسعت ستجبر الجميع على التموضع داخلها، وعندها تصبح السيطرة على مسارها أصعب بكثير.
أخيرا..
تصريحات مثل التي أطلقها كارلسون مهمة لأنها تكشف ما وراء المشهد: أن الحرب على إيران ليست ملفًا عسكريًا ضيقًا، بل بوابة محتملة إلى فوضى إقليمية واسعة، وإلى إعادة هندسة الخرائط والتوازنات، وربما إلى إشعال صراعات دينية وهويه طويلة المدى، القراءة العاقلة والعلمية لا تتعامل مع هذا الاحتمال بوصفه مبالغة، بل بوصفه سيناريو يجب منعه قبل أن يبدأ يخرب بيتك لأن الشرق الأوسط لا يحتمل حربًا جديدة تُدار باسمه ويُدفع ثمنها من شعوبه ودوله ومقدراته، ثم يُقال بعد سنوات إن أحدًا لم يكن يعرف إلى أين كانت تتجه الأمور.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية