تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

قواعد جديدة تحت الاختبار

نحن أمام لحظة انتقال حقيقية: أمريكا والصين ستبقيان قطبى الجاذبية، لكن الجاذبية وحدها لم تعد تكفى لضمان الولاء، العالم لا يذهب إلى «تعدد أقطاب» تقليدى، بل إلى تعدد تحالفات: اقتصاد هنا، أمن هناك، تكنولوجيا فى مسار ثالث، وهذه هى المفارقة: القوى المتوسطة لا تسعى لإسقاط القطبين، بل تسعى فقط إلى ألا تُسحق بينهما، لكنها، وهى تفعل ذلك، تعيد تشكيل الخريطة فعليًا: تجعل القرار موزعًا، وتجعل الكلفة موزعة، وتجعل القدرة على الابتزاز أقل، لكنها تجعل القدرة على التنبؤ أقل أيضًا.

لم يعد السؤال فى السياسة الدولية: من ينتصر، واشنطن أم بكين؟ السؤال الأكثر واقعية صار: من ينجو من أن يُستَخدم فى معركة لا يملك قرارها؟ لأن الصراع الأمريكى - الصينى لم يعد منافسة على النفوذ فقط؛ بل صار نظامًا لتوزيع الضغوط ضغط اقتصادى عبر التجارة وسلاسل الإمداد، ضغط تكنولوجى عبر المنصات والرقائق والمعايير، ضغط أمنى عبر التحالفات والتموضع العسكرى، وضغط سياسى عبر تعريف «الصديق» و«المشبوه» و»المعاقَب»، فى هذا المناخ اكتشفت القوى المتوسطة أن الحياد لم يعد منطقة آمنة، بل منطقة مكشوفة: من يقف فى المنتصف يُرى من الجانبين هدفًا قابلًا للشدّ.
 

لهذا بدت ظاهرة تتسع بهدوء، لكنها عميقة الأثر: القوى المتوسطة لم تعد تبحث عن «مقعد» داخل النظام القديم، بل تبحث عن شبكة نجاة داخل نظام يتغير، ليست شبكة ضد أمريكا، ولا شبكة ضد الصين، بل شبكة ضد أن تتحول هى نفسها إلى «مادة خام» فى صراع القطبين، جوهر الفكرة بسيط وقاسٍ: إذا لم تملك قدرة على المناورة، ستُعامل كغنيمة وإذا لم تمتلك روابط بديلة، ستُخنق من بوابة واحدة، لذلك بدأ التحرك: تنويع الأسواق، تنويع التكنولوجيا، تنويع التسليح، وتشكيل تحالفات «موضوعية» لا «عقائدية» تحالفات ملفّ بملف، ومصلحة بمصلحة، بدل الاصطفاف الكلى الذى يحوِّل الدولة إلى تابع.

التحول الأكبر هنا ليس أن هذه الدول أصبحت أكثر «شجاعة»، بل إنها أصبحت أكثر وعيًا بأن القطبية الثنائية الجديدة لا تمنح الحماية مجانًا، واشنطن تطلب من شركائها التزامًا أوسع بقواعدها ومعاركها ومعاييرها، وبكين تطلب من شركائها مراعاة حساسياتها ومجالات نفوذها وإيقاعها الاقتصادى وفى الحالتين الثمن يتصاعد، لذلك فإن القوى المتوسطة - كندا، أوروبا، اليابان، الهند، البرازيل وغيرها - تتعلم درسًا جديدًا: لا يكفى أن تكون صديقًا؛ يجب أن تكون قابلًا للاستغناء عنك حتى يحسب الآخر حسابك، الصديق الذى لا يملك بدائل يصبح أسيرًا والاقتصاد الذى لا يملك مسارات يصبح هشًّا.

وإذا دققت أكثر، ستجد أن التحوُّط ليس شعارًا، بل هندسة عملية تُعيد كتابة مفهوم السيادة التى لم تعد مجرد حدود وعلم ونشيد، السيادة صارت: هل تملك طاقة ومواد خاماً ومسارات توريد لا يستطيع أحد قطعها بضغطة زر؟ هل تملك قدرة رقمية تقلل ابتزاز المنصات والمعايير؟ هل تملك تسليحًا وخيارات دفاع لا تُدار من غرفة خارجية؟ هل تستطيع أن تقول «لا» دون أن تنهار أسواقك؟ هذه هى أسئلة السيادة فى زمن القطبين، وهى أسئلة تفسر لماذا نرى اندفاعًا نحو اتفاقات تجارة جديدة، ونحو بدائل تقنية محلية، ونحو تعاون تسليحى عابر للقارات، ونحو إعادة التفكير فى الردع، حتى ولو كان ذلك يفتح أبوابًا مخيفة على سباقات تسلح.

لكن النقطة الأعمق: القوى المتوسطة لا تبنى «قطبًا ثالثًا» بالمعنى الكلاسيكى، لأنها تدرك أنها لا تستطيع منافسة العملاقين، ما تفعله هو شيء أكثر ذكاءً: بناء تكتلات وظيفية، فى التجارة: اتفاقات لتقليل الارتباط بمزاج التعريفات وفى التكنولوجيا: بدائل لتقليل الاعتماد على منظومات مغلقة، وفى الأمن: برامج مشتركة تخلق قدرات محلية وتقلل الاعتماد الأحادى، هذه التكتلات ليست مثالية ولا دائمة، لكنها فعّالة لأنها تقلل المخاطر حتى لو لم تلغها إنها سياسة «تقليل الخسائر» لا سياسة «حسم المعركة».

ومع ذلك، هذا الطريق ليس بلا ثمن، لأن كثرة الشبكات تعنى كثرة التعقيد، عالم التحوُّط لا ينتج نظامًا واضحًا، بل ينتج عالمًا متعدد المسارات، متعدد القواعد، متعدد السرعات وهذا النوع من العالم قد يكون أقل ظلمًا لبعض الدول، لكنه غالبًا أكثر قابلية للأزمات: كل أزمة تصبح سلسلة أزمات لأن الاقتصاد متشابك، والأمن متداخل، والقرارات موزعة على تكتلات لا يجمعها مركز واحد، والأسوأ أن التحوُّط إذا تحول إلى أنانية قصيرة المدى، قد يطيل صراعات، ويخلق استثناءات، ويفتح منافسات إقليمية جديدة، ويزيد شهية الانتشار العسكرى، أى أن محاولة الهروب من ضغط القطبين قد تخلق عالمًا «أكثر استقلالًا»… لكنه «أكثر اضطرابًا».

فى رأيى، نحن أمام لحظة انتقال حقيقية: أمريكا والصين ستبقيان قطبى الجاذبية، لكن الجاذبية وحدها لم تعد تكفى لضمان الولاء، العالم لا يذهب إلى «تعدد أقطاب» تقليدى، بل إلى تعدد تحالفات: اقتصاد هنا، أمن هناك، تكنولوجيا فى مسار ثالث، وهذه هى المفارقة: القوى المتوسطة لا تسعى لإسقاط القطبين، بل تسعى فقط إلى ألا تُسحق بينهما، لكنها، وهى تفعل ذلك، تعيد تشكيل الخريطة فعليًا: تجعل القرار موزعًا، وتجعل الكلفة موزعة، وتجعل القدرة على الابتزاز أقل، لكنها تجعل القدرة على التنبؤ أقل أيضًا.

النتيجة أن العقد القادم لن يكون عقد «استقرار جديد»، بل عقد «قواعد جديدة قيد الاختبار»، من ينجح فيه ليس من يرفع الصوت، بل من يملك شبكة بدائل، ومرونة قرار، وقدرة على تحويل التحوُّط من تكتيك دفاعى إلى استراتيجية بناء: بناء اقتصاد لا يُخطف، وبناء أمن لا يُؤجَّر، وبناء علاقة مع القطبين تقوم على المصالح لا على الخوف.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية