تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > إسلام عفيفي > «ميونيخ» بين النضج والخيانة

«ميونيخ» بين النضج والخيانة

فى مؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام، لم تكن الأزمة فى أوكرانيا وحدها، ولا فى القطب الشمالي، ولا حتى فى الرسوم الجمركية.. الأزمة كانت فى انكسار الفكرة القديمة عن أن العلاقة عبر الأطلسى «محمية بطبيعتها».. أوروبا جاءت إلى ميونيخ وهى تعرف - لأول مرة بهذه الصراحة - أن الضمانة الأمريكية لم تعد «تعهدًا مفتوحًا»، بل تحولت إلى معادلة شروط: ادفعوا أكثر، اشتروا أكثر، انحازوا أكثر، أو تحملوا وحدكم جزءًا أكبر من فاتورة الخطر، هذا ليس إعلان خصومة لكنه إعلان نهاية مرحلة كاملة من الراحة الاستراتيجية.

الفرق بين ميونيخ 2026 وما سبقه أن القارة لم تعد تناقش «هل أمريكا تتغير؟» بل تناقش «كيف نتعامل مع أمريكا وقد تغيّرت؟» لذلك خرجت مفردات جديدة من تحت الطاولة إلى فوقها: انهيار الثقة، الضمانات المكتوبة، الاستقلال الاستراتيجي، والبحث عن شركاء خارج المدار الأطلسى حتى التقرير المصاحب للمؤتمر، وهو فى العادة لغة دبلوماسية محسوبة، يصف المشهد بمنطق «سياسات كرة التحطيم» التى تضرب الهياكل الدولية وتترك الجميع فى فراغ إدارة. 

وأوروبا -كى لا تقع- تحاول أن تمشى على حبل مشدود: تساير واشنطن كى لا تنفجر العلاقة، وتقاومها كى لا تتحول إلى تابع هنا بالضبط تتضح طبيعة «الاستفاقة القاسية»: أوروبا زادت الإنفاق الدفاعى بالفعل وتعِد بالمزيد، لكنها تفعل ذلك ليس فقط إرضاءً للحليف، بل خوفًا من أن يصبح الحليف نفسه متغيرًا لا يمكن بناء الأمن عليه وحده. وفى الوقت نفسه، تريد أن تمنع أن يتحول رفع الإنفاق إلى «تذكرة اشتراك» تُدفع ثم تُستخدم ضدها فى التجارة والسياسة؛ لهذا باتت لغة التعريفات الجمركية تُقرأ فى أوروبا كسلاح سياسي، لا كأداة اقتصادية فحسب، وهو ما يفسر لماذا تذهب العواصم لبحث اتفاقات سريعة تهدئ جبهة التجارة بالتوازى مع إعادة تسليح الجبهة العسكرية. 

أما «جرينلاند»، فليست ملفًا قطبيًا معزولًا كما يظن البعض؛ هى اختبار معنى السيادة داخل التحالف نفسه لأن التهديد أو التلويح -مهما كان تكتيكيًا- ينقل العلاقة من منطق «نحمى بعضنا» إلى منطق «نضغط على بعضنا» هنا ينهار الخط الفاصل الذى كانت أوروبا تتكئ عليه نفسيًا: أن الخلافات داخل العائلة لا تقترب من حدود الجغرافيا والسيادة لذلك تحولت جرينلاند إلى صدمة رمزية: القارة سمعت للمرة الأولى أن «السيادة الأوروبية» يمكن أن تُدار بمنطق الصفقة لا بمنطق التحالف. 

المدهش أن واشنطن لا تُخفى فلسفتها، فالرسالة الأمريكية التى تتردد فى كواليس ميونيخ وبروكسل تقول: نحن لا نريد أوروبا مستقلة ضدنا، بل نريدها قوية معنا.. لكن القوة تُقاس بالقدرات لا بالنوايا ولهذا خرجت تصريحات أمريكية فى اجتماعات الناتو قبل ميونيخ تقول صراحة إن الولايات المتحدة ستخفف من قواتها التقليدية فى أوروبا، مع إبقاء الالتزام السياسى العام، أى نقل القارة من «حماية جاهزة» إلى «توازن مسئوليات». 

لكن المشكلة أن أوروبا، وهى تحاول أن «تكبر»، تكتشف أن النمو العسكرى ليس قرارًا ماليًا فقط هناك فجوة زمنية وفجوة صناعة وفجوة قيادة يمكن لأى حكومة أن تعلن نسب إنفاق، لكن تحويل المال إلى قدرة قتالية يحتاج سنوات، وسلاسل توريد، وقرار شراء موحد، وعقيدة تشغيل مشتركة، والأهم: حسم سؤال الردع النووي، أوروبا تعرف أن الاعتماد الكامل على المظلة الأمريكية كان يختصر هذا السؤال، وحين يتصدع الاعتماد يعود السؤال بقسوته: من يردع؟ وبأى ضمانات؟ وبأى قرار؟ وهذا ما يجعل الحديث عن «استقلال استراتيجي» يبدو جذابًا فى الخطاب وصعبًا فى التنفيذ.

ثم تأتى أوكرانيا لتفضح معضلة أوروبا الكبرى: القارة تريد «سلامًا» لكنها تخاف «سلامًا سريعًا» تخشى من صفقة تُنهى الحرب على الورق وتترك بذور حرب جديدة فى الميدان وتخاف فى الوقت نفسه من استمرار النزيف الاقتصادى والعسكرى والسياسى؛ لذلك يحمل لقاء وزير الخارجية الأمريكى بالرئيس الأوكرانى فى ميونيخ معنى أكثر من الدبلوماسية: إنه اختبار إن كانت واشنطن تفكر فى نهاية الحرب كصفقة زمنية، أم كنهاية تُقفل الباب أمام إعادة الاشتعال. 

ميونيخ 2026 ليس مؤتمر أمن؛ هو مؤتمر إعادة تسعير إعادة تسعير الحماية، وإعادة تسعير الثقة، وإعادة تسعير معنى الغرب نفسه، أوروبا فهمت أن «الغرب» لم يعد فكرة واحدة تعمل تلقائيًا، بل أصبح مساحة تفاوض داخلية: بين من يريد التشدد مع روسيا، ومن يريد فتح قنوات؛ بين من يرى الصين تهديدًا طويل الأمد، ومن يراها ضرورة اقتصادية؛ بين من يريد استقلالًا دفاعيًا كاملًا، ومن يرى أن ذلك خطر انقسام لا قدرة.

وأكثر ما يجعل هذه اللحظة مُربكة أن أوروبا لا تواجه «ترامب» كشخص فقط، بل تواجه نمطًا أمريكيًا أوسع يتكرر بأشكال مختلفة: تحويل الأمن إلى أداة مساومة حين يُعاد تعريف الالتزام العسكرى باعتباره خدمة لها سعر، فإن أى أزمة مستقبلية -مهما كان مصدرها- ستدخل تلقائيًا فى ماكينة التفاوض: ما المقابل؟ من يدفع؟ ومن يشتري؟ ومن يلتزم؟ هذا التحول يغيّر نفسية التحالفات: بدل أن تكون مظلة تمنع العاصفة، تصبح جزءًا من العاصفة.

وهنا تتضح مشكلة أوروبا الداخلية: القارة ليست دولة واحدة. هى كتلة مصالح ورؤى وسرعات.. بعض الدول يرى أن الخطر الروسى وجودى ويستعجل السلاح، وبعضها يخشى أن يتحول التسليح إلى عبء اقتصادى يفتح الباب لليمين المتطرف، وبعضها يريد استقلالًا دفاعيًا لكن داخل الناتو لا خارجه، وبعضها يرى أن «الاستقلال» نفسه قد يصبح عنوانًا لانقسام أوروبى قاتل لذلك فإن بناء «ذاتية دفاعية» ليس تحديًا مالياً فقط، بل تحدى قيادة: من يقرر؟ من يقود؟ وأى دولة ستقبل أن تُدار أولويات أمنها من مركز أوروبى مشترك؟

ومن زاوية أخرى، ميونيخ كشف أن أوروبا بدأت تفكر فى الأمن بصفته «سلسلة قيمة» لا مجرد جيوش. الأمن اليوم يبدأ من الذخيرة، يمر بالمصانع، ويصل إلى الفضاء السيبرانى وسلاسل الإمداد والطاقة. كل نقطة ضعف فى هذه السلسلة تتحول إلى ثغرة سياسية لذلك تصبح فكرة الشراكات خارج الأطلسى -مع الهند وإفريقيا والشرق الأوسط- ليست رفاهية دبلوماسية، بل محاولة لبناء عمق اقتصادى وإستراتيجى يقلل قابلية القارة للابتزاز، سواء من خصمٍ أو من حليفٍ متقلب.

وأخيرًا، هناك أثر طويل المدى قد لا يُقال بصراحة على المنصات: صدمة الثقة ستنعكس على الرأى العام الأوروبى بشكل قد يُعيد تشكيل الديمقراطيات نفسها حين يشعر المواطن أن أمنه يُساوَم عليه خارجيًا، وأن اقتصاده قد يُعاقَب بتعريفة، وأن سيادته قد تُمسّ بتلويحٍ جغرافي، فإن الميل الطبيعى سيكون نحو قوميات أكثر حدة، ومطالب أكثر صدامية، وشك أعمق فى العولمة والمؤسسات أى أن «الاستفاقة القاسية» ليست فقط سياسة خارجية بل قد تكون بداية موجة داخلية تُغيّر وجه أوروبا من الداخل.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية