تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
رسائل قوية من الرئيس لضبط الأسواق..!!
في لحظةٍ تتكاثف فيها الضغوط الاقتصادية على المجتمعات، ويزداد فيها العبء على كاهل الفقراء ومحدودي الدخل بسبب اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، جاءت توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بدراسة إحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكري خلال كلمته في حفل الإفطار الذي نظمته الأكاديمية العسكرية المصرية، لتبعث برسالة حازمة مفادها أن الدولة لم تعد تقبل بأن تتحول معاناة الناس إلى فرصة للربح السريع أو وسيلة للابتزاز الاقتصادي. فاستقرار الأسواق ليس مجرد شأن اقتصادي بحت، بل هو قضية عدالة اجتماعية وأمن مجتمعي في آن واحد.
الأسواق في مصر أصبحت، بكل أسف مسرحًا، لظاهرة شديدة الخصوصية؛ ظاهرة يمكن وصفها بقاعدة “الارتفاع الدائم”. فالأسعار ترتفع سريعًا عند أي اضطراب عالمي أو محلي، لكنها نادرًا ما تنخفض حتى عندما تزول أسباب الارتفاع. قد تتراجع أسعار السلع عالميًا، وقد تنخفض تكاليف النقل أو مدخلات الإنتاج، ومع ذلك تبقى الأسعار المحلية ثابتة عند مستوياتها المرتفعة، وكأن السوق قد فقد ذاكرته الاقتصادية أو أصيب بما يشبه الجمود المتعمد. والسبب في كثير من الأحيان لا يعود إلى قوانين العرض والطلب بقدر ما يرتبط بجشع بعض التجار الذين يتعاملون مع السلع باعتبارها وسيلة للثراء السريع لا حاجة أساسية للمجتمع.
هذه الظاهرة تتجلى بصورة أوضح في ممارسات مثل إخفاء السلع أو ما يُعرف شعبيًا بـ“تعطيش السوق”، حيث تُحجب المنتجات عن التداول لفترة قصيرة لخلق شعور مصطنع بالندرة، ثم تعود إلى الأسواق بأسعار أعلى. إنها لعبة قديمة في تاريخ الأسواق، لكنها تصبح أكثر قسوة عندما تُمارس في مجتمع يعاني قطاع واسع من مواطنيه من ضغوط المعيشة. ولهذا جاء التحذير الرئاسي بمثابة إعلان أن التلاعب بقوت الناس ليس مجرد مخالفة تجارية، بل اعتداء على الاستقرار الاجتماعي يلزم التعامل معه بحسم وقوة حتى لو اضطر الأمر لتحويل المتلاعبين بالسوق للقضاء العسكري.
واللافت في الأسواق المصرية أيضًا ذلك التفاوت الكبير في الأسعار داخل النطاق الجغرافي الواحد. فقد تُباع السلعة نفسها في الشارع ذاته أو الحي نفسه بأسعار مختلفة بدرجة لافتة، وكأن السوق يفتقر إلى معيار واضح أو مرجعية رقابية صارمة. هذا التفاوت لا يوحي فقط بعشوائية التسعير، بل يفتح الباب أمام التساؤل: هل المشكلة في ضعف الرقابة؟ أم في غياب آليات شفافة لعرض الأسعار؟ أم في عدم وجود نظام فعال يضمن التوازن بين حرية السوق وحماية المستهلك؟
إن توجيه الدولة بدراسة إجراءات أكثر صرامة يطرح سؤالًا جوهريًا: هل ستنجح الحكومة في اختبار ضبط الأسعار؟ وهل تمتلك الأدوات الكفيلة بتحويل هذا التوجيه إلى واقع ملموس يشعر به المواطن في حياته اليومية؟ ثم ما هي الآليات التي يمكن أن تجعل السوق أكثر انضباطًا وعدالة؟
ومن هنا تتوالد أسئلة أخرى لا تقل أهمية عن سؤال الأسعار ذاته. ماذا ستفعل وزارة التموين والتجارة الداخلية مع مشكلة العجز المزمن في أعداد مفتشي التموين؟ وكيف يمكن لجهاز رقابي محدود العدد أن يراقب ملايين المنافذ التجارية المنتشرة في المدن والقرى؟ وهل تفكر الوزارة في حلول مبتكرة، مثل توظيف التكنولوجيا أو تطبيقات الإبلاغ المجتمعي، لتعويض هذا العجز البشري الذي أصبح أحد ثغرات الرقابة على الأسواق؟
ثم أين أثر جهاز حماية المستهلك في حماية الناس من موجات الغش التجاري التي انتشرت بصورة لافتة، خصوصًا على صفحات التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية؟ فالإعلانات عن منتجات طبية مجهولة المصدر أصبحت تُبث علنًا، وتُباع أدوية ومكملات علاجية بلا ترخيص أو رقابة، في مشهد يثير القلق على صحة الناس قبل أموالهم. فإلى متى ستظل هذه الفوضى قائمة؟
وأين دور وزارة الصحة والسكان ممثلة في إدارة العلاج الحر إزاء ما يحدث من بيع أو الترويج لأدوية ومنتجات طبية خارج الإطار القانوني؟ ومتى تُوضع ضوابط صارمة لهذه الإعلانات التي قد تدفع مريضًا بسيطًا إلى تجربة علاج مجهول قد يضر بصحته أو يبدد مدخراته؟
إن الأسئلة لا تنتهي، لكنها تعكس قلقًا مشروعًا لدى المجتمع: متى يصبح للسوق المصري معيار واضح يضمن عدالة الأسعار؟ ومتى تتحول الرقابة من رد فعل متأخر إلى منظومة استباقية تمنع الجريمة الاقتصادية قبل وقوعها؟ وهل يمكن أن نشهد قريبًا سوقًا يُعلن فيه السعر بوضوح، وتُحاسَب فيه المخالفات بسرعة وشفافية؟
الخبرات الدولية تشير إلى أن استقرار الأسواق لا يتحقق بالعقوبات وحدها، بل بمنظومة متكاملة من السياسات. ففي كثير من الدول المستقرة اقتصاديًا تُستخدم منصات إلكترونية رسمية لعرض الأسعار الاسترشادية للسلع الأساسية، بحيث يستطيع المواطن أن يقارن بسهولة بين أسعار المتاجر المختلفة، وهو ما يخلق نوعًا من الرقابة المجتمعية إلى جانب الرقابة الحكومية. كما تعتمد بعض الدول على قواعد صارمة لمكافحة الاحتكار، تمنح السلطات صلاحيات واسعة لفرض غرامات ضخمة أو إغلاق المنشآت التي يثبت تورطها في التلاعب بالأسعار أو حجب السلع.
ومن الحلول الممكنة أيضًا تعزيز دور الجمعيات التعاونية ومنافذ البيع الحكومية التي تقدم السلع بأسعار عادلة، بما يخلق توازنًا في السوق ويمنع التجار من الانفراد بتحديد الأسعار. كذلك يمكن تطوير أنظمة تتبع سلاسل الإمداد من المنتج إلى المستهلك، بحيث يصبح من السهل اكتشاف حلقات الاحتكار أو التضخم غير المبرر في الأسعار.
إن قيمنا الدينية ترسم إطارًا أخلاقيًا واضحًا لهذه القضية؛ فالقرآن الكريم يحذر من الظلم الاقتصادي ويقول: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾، وهو نهي صريح عن الانتقاص من حقوق الناس في المعاملات. كما جاء في الحديث النبوي الشريف: “من احتكر فهو خاطئ”، وهو حكم أخلاقي وقانوني في آن واحد، يجرّم الاحتكار لما يسببه من أذى للمجتمع. وفي حديث آخر قال النبي ﷺ: “التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء”، ليضع معيارًا واضحًا يميز بين التجارة الشريفة والتجارة القائمة على الاستغلال.
إن معركة ضبط الأسعار في مصر ليست مجرد إجراء إداري، بل اختبار لقدرة الدولة على حماية الفئات الأكثر ضعفًا في المجتمع. فهل ستتحول التوجيهات الرئاسية إلى منظومة رقابية فعالة تصل إلى الأسواق الصغيرة قبل الكبيرة؟ وهل ستنجح الحكومة في ابتكار أدوات حديثة تكشف التلاعب وتردع المحتكرين؟ وهل يمكن أن نشهد قريبًا سوقًا أكثر شفافية، يعرف فيه المواطن السعر العادل قبل أن يمد يده إلى جيبه؟
تبقى هذه الأسئلة مفتوحة، لكنها تعكس حقيقة واضحة: أن استقرار السوق ليس رفاهية اقتصادية، بل شرط أساسي للعدالة الاجتماعية. وعندما يشعر المواطن بأن الدولة تقف إلى جواره في مواجهة الجشع والاحتكار، فإن الثقة في السوق – وفي المستقبل الاقتصادي كله – تزداد وتترسخ وتعمق الثقة في أداء الحكومة.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية