تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

إرادة مصر.. تنتصر

◄ القاهرة تنجح في تحقيق ثوابتها بمنع التهجير.. وإعادة فتح معبر رفح

◄ الموقف المصري نتيجة رؤية سياسية وأمنية ترفض تصفية القضية الفلسطينية

منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية الوحشية على قطاع غزة عقب هجمات حماس فى 7 أكتوبر 2023 على بعض المستوطنات الإسرائيلية بمنطقة غلاف غزة - وهى حرب الإبادة التى استمرت عامين تقريبا - كان الموقف المصرى ثابتا، يضع خطوطا حمراء، تجاوزها يعنى تهديدا مباشرا للأمن القومي المصري، وأهم هذه الخطوط الحمراء كان موقف القاهرة الصامد والمستمر الذى أعلنه الرئيس عبدالفتاح السيسى مرارا وتكرارا فى العديد من المحافل الدولية، وهو رفض التهجير القسرى للفلسطينيين من غزة، والإصرار على فتح معبر رفح لإدخال المساعدات الإغاثية لسكان القطاع وهو ما تم بشكل رسمى الإثنين الماضى.

برزت - خلال الحرب - كأحد أكثر الأطراف الإقليمية انخراطًا وتأثيرًا فى إدارة تداعيات الأزمة، خاصة فى ملفين بالغَى الحساسية، وهما  منع التهجير القسرى للفلسطينيين، وإعادة فتح معبر رفح، باعتباره الشريان الإنسانى الوحيد غير الخاضع للسيطرة الإسرائيلية المباشرة.

ولم يكن الدور المصرى عارضًا أو إنسانيًا فقط، بل نتيجة لرؤية سياسية وأمنية واضحة، تقوم على تثبيت خطوط حمراء ورفض تصفية القضية الفلسطينيية.

القاهرة أعلنت منذ الأيام الأولى للحرب موقفًا صريحًا لا لبس فيه، وهو أنه : «لا لتهجير الفلسطينيين من غزة، لا إلى سيناء ولا إلى أى مكان آخر».. وهذا الرفض لم يكن مجرد تضامن سياسى، بل ارتكز على ثلاث ركائز أساسية، أولاها البعد القانونى والسياسى، حيث اعتبرت مصر التهجير القسرى جريمة بموجب القانون الدولى، ووسيلة لتصفية القضية الفلسطينية عبر تغيير الواقع الديموجرافى، بما ينسف أى حل سياسى مستقبلى.

أما الركيزة الثانية فتتمثل فى البعد الإقليمى، فالقاهرة ترى أن تهجير سكان غزة لن يكون حلًا إنسانيًا، بل تفجيرًا للأزمة ونقلها جغرافيًا، بما يهدد استقرار المنطقة بأكملها، بينما تتعلق الركيزة الثالثة بالأمن القومى المصرى، لأن أى محاولة لفرض واقع ديموجرافى جديد على الحدود الشرقية لمصر تعنى استدراج الدولة المصرية إلى صراع مفتوح، وهو ما رفضته القيادة المصرية بشكل قاطع.

موقف مصر جعلها العائق الرئيسى أمام سيناريو التهجير، وأجهضت عمليًا محاولات تسويق «الحلول الإنسانية البديلة» التى كانت تُطرح فى بعض الدوائر الدولية.

كما يمثل معبر رفح جوهر الدور المصرى خلال الأزمة، فالمعبر ليس مجرد نقطة عبور، بل أداة سيادية وإنسانية ذات أبعاد سياسية عميقة.. ولذلك لم تغلق مصر المعبر من جانبها يوما واحدا، بينما كان تعطيل الحركة نتيجة السيطرة العسكرية الإسرائيلية على الجانب الفلسطينى من المعبر، وليس قرارًا مصريًا، ونجحت مصر فى كشف حقيقة ما يجرى بالمعبر أمام وسائل الإعلام الدولية والوفود الأجنبية التى زارت المعبر، بعد أن نزعت القاهرة الغطاء عن محاولات تحميلها مسئولية الحصار، وأعادت توجيه الأنظار إلى جوهر المشكلة.

ولم تكتفِ مصر بذلك، بل قادت تحركات معقدة لإعادة تشغيل المعبر، من بينها وساطات مع إسرائيل والفصائل الفلسطينية، والتنسيق مع السلطة الفلسطينية، وإشراك أطراف دولية، مثل بعثة الاتحاد الأوروبى، لضمان تشغيل المعبر وفق أطر قانونية معترف بها.

وجاءت إعادة الفتح التدريجية للمعبر- خاصة للحالات الإنسانية والمرضى والجرحى- كرسالة واضحة، تؤكد أن الإنسانية لا تعنى التهجير، والعبور لا يعنى الخروج النهائى من الأرض وهو ما تحقق عند الافتتاح الرسمى للمعبر، بعد عودة العديد من سكان غزة للقطاع.

الدور المصرى كان له انعكاساته إقليميًا ودوليًا، حيث وضعت القاهرة واشنطن أمام معادلة واضحة، فلا استقرار دون مصر، ولا حلول عملية لغزة دون احترام الخطوط الحمراء المصرية.

ورغم تباين المواقف اضطرت الإدارة الأمريكية للتعامل مع مصر باعتبارها الوسيط الضرورى الذى لا يوجد بديل له، بينما شهدت العلاقة مع إسرائيل توترًا محسوبًا، لكن مصر استخدمت اتفاقية السلام كإطار ضابط، لا كقيد، ونجحت فى فرض تصورها لمعبر رفح ومنع تحويله إلى بوابة تهجير.

وعلى الجانب الفلسطينى أسهم الموقف المصرى فى تعزيز بقاء الفلسطينيين على أرضهم، وإعادة الاعتبار للدور الفلسطينى فى إدارة المعبر، ومنع محاولات تجاوز السلطة الفلسطينية أو فرض ترتيبات أحادية.

لقد أعادت أزمة غزة التأكيد على حقيقة راسخة، وهى أن مصر الدولة العربية الوحيدة القادرة على الجمع بين الجغرافيا والشرعية والتأثير العملى، ففى الوقت الذى اكتفت فيه أطراف أخرى بالخطاب أو الدعم المالى، كانت القاهرة تتحرك على الأرض، وتدير أخطر الملفات، وتتحمل كلفة سياسية وأمنية حقيقية، وهو ما جعل الدور المصرى فى غزة ليس دورًا إنسانيًا فقط، بل موقف سياسى استراتيجى منع تصفية القضية الفلسطينية عبر بوابة التهجير، وحمى الأمن القومى المصرى من أخطر سيناريو محتمل، وأعاد تثبيت مكانة مصر كفاعل إقليمى لا يمكن تجاوزه.
ففى لحظة إقليمية بالغة الاضطراب اختارت القاهرة أن تقول «لا» رغم أنه كان  أصعب الخيارات، وأكثرها تأثيرًا.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية