تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الكتاب.. ومعرض الكتاب «1»

أظن أن أول شيء نسأل عنه ونبحث عن أخباره ونحن نتحدث عن معرض الكتاب هو الكتاب. فما أخبار الكتاب فى مصر؟

 

الجواب: لا جواب!الآن المؤسسة الكبرى المهيمنة على شئوننا الثقافية، وهى وزارة الثقافة التى تتبعها كل الهئات والمؤسسات التى تنشر الكتب، ومنها الهيئة المصرية العامة للكتاب، والمجلس الأعلى للثقافة، وهيئة قصور الثقافة، والمركز القومى للترجمة.. هذه المؤسسات التى تنفق على نشر الكتب وعلى نفسها من أموال المصريين لا تقدم لنا ما نستطيع به أن نجيب على السؤال المطروح عن الكتاب بمناسبة إقامة المعرض الدولى للكتاب فى مصر.

والمعرض الدولى للكتاب بدأ نشاطه فى عام 1969 وظل مواظبا على تنظيم دوراته التى أصبحت عيدا سنويا يحتفل به المصريون كل عام، فالدورة الحالية هى السابعة والخمسون. ونحن نستقبلها ونحتفل فيها بالكتاب دون أن نعرف عن الكتاب شيئا، لا الآن، ولا فى العام الذى مضي، ولا فى هذا التاريخ الذى يزيد على نصف قرن، وهو وضع غريب لا نستطيع أن نفسره إلا بأن وزارة الثقافة اكتفت بالمعرض وقدمته للمصريين ليفرحوا فيه ويمرحوا واعتبرته بديلا عن الكتب وقراءتها التى تكلف من يمارسونها ما لا ينفقونه، وليالى يسهرونها ويجدون فيها أنفسهم محتاجين لمعرفة أوسع، ولبحث قد لا يكون ممتعا فى كل كتاب، وإنما يكون أحيانا مضنيا مرهقا يفضل الكثيرون أن يريحوا أنفسهم من متاعبه. وهذا ما يفسر انصراف الجمهور عندنا عن المطالبة بكشف حساب عما تقدمه وزارة الثقافة فى هذا المجال وعما يتحقق للثقافة المصرية من ورائه.

ويبدو أن الوزارة تشارك الجمهور هذا الموقف الذى يريحها ويعطيها الفرصة التى تجلس فيها هادئة البال، لا يعكر أحد صفوها، ولا يُسائلها أحد عما أنفقت وعما حققت، لكن الوزارة تنسى أن مصر ليست البلد الوحيد فى العالم الذى أنشأ للثقافة وزارة وأقام للكتاب معرضا، وإنما هى بلد من عشرات البلاد فى العالم التى أنشأت للثقافة وزارات ترعاها، وأقامت للكتاب معارض نستطيع أن نعرف أخبارها بالتفصيل ونقارن بين ما تفعله فى معارضها وما نفعله نحن فى معرضنا. معارض الكتاب فى العالم تزيد الآن على أربعين معرضا، منها معرض باريس فى فرنسا، وفرانكفورت فى ألمانيا، والمعرض الأمريكى الذى تنقل بين عدة مدن أمريكية، ومعرض الشارقة فى الإمارات، ومعرض أبو ظبي، ومعرض الدار البيضاء فى المغرب، وبوينس أيرس فى الأرجنتين، ولندن، وبولونى فى إيطاليا، ومدريد فى إسبانيا، ونيودلهى فى الهند، وطوكيو فى اليابان. ومعارض الكتب فى العالم أو فى البلاد التى نعرفها ليست مجرد أركان ورفوف تصف فيها الكتب ليراها زوار المعرض وينتقوا منها ما يحبون أن يقرأوه ويقتنوه، وإنما المعرض سوق للثقافة بالمعنى الذى كان يقصده المتحدثون عن سوق عكاظ الذى كان حافلا بكل صور الإنتاج الثقافى الذى عرفه العرب فى ماضيهم، وهو الشعر خاصة، بالإضافة إلى الإنتاج المادي.

ومعرض الكتاب كما نقرأ عنه فى كثير من البلاد يحتفل بالشعر والرواية، ويستضيف الشعراء والروائيين الذين يخاطبون جمهور المعرض فيتحدثون عن تجاربهم، ويجيبون على الأسئلة التى تطرح عليهم، ويتعارفون هم فيما بينهم، ويستمعون لما يقوله النقاد عنهم، ويعرضون على الناشرين إصدار أعمالهم الجديدة أو إعادة طبع ما صدر منها.

وأنا أعرف بالطبع، كما يعرف غيرى ممن زاروا معرضنا، أن القائمين على تنظيمه يرونه فرصة لأمسيات شعرية وندوات نقدية يشارك فيها الشعراء والكتاب والنقاد المصريون والعرب الآخرون، وهو تقليد متبع يستحق التحية والتقدير والتشجيع، حبذا لو كان الشعراء والكتاب الأجانب ضمن المدعوين للمشاركة فى هذا النشاط، لأن ما يمكن أن نستفيده من دعوة المثقفين الأجانب أضعاف أضعاف ما نتكلفه، فنحن نرى أن إنتاجنا الثقافى لا يزال معزولا عن العالم الخارجي، وهو فى وضعه هذا مظلوم، ونحن مظلومون معه، لأن هذا الإنتاج يستطيع أن يجد له قراء فى الخارج إلى جانب الإنتاج الذى عرف طريقه إلى العالم، لأن أصحابه أحسنوا تقديمه، وهذا ما لم يتح حتى الآن، وأنا لى فى هذا المجال تجربة ربما عرضتها فى مناسبة أخري. وأعود للحديث عن البرنامج الثقافى الذى سيقدم فى معرض الكتاب هذا العام فأقف عند الندوة التى سمعت أنها خصصت للاحتفال بكتاب عميد الأدب العربى «فى الشعر الجاهلي» بمناسبة مرور مائة عام على صدوره. خطوة رائعة جديرة بالإعجاب والتقدير، لأن كتاب طه حسين من أركان الثقافة الحديثة احتجنا له وقت صدوره، ونحن فى أشد الحاجة إليه الآن، لأنه درس فى البحث نتعلم منه المنهج الذى يمكننا من امتحان ما ننقله عن القدماء ونعتبره حقائق ثابتة لمجرد أنه قديم، مع أن بعضه قد يناقض بعضه أو يثير الشك فى صحته ويدعو لإعادة النظر فيه. وهذا ما صنعه الأستاذ العميد فى كتابه فثار أعداء العقل، واتهموه تهما باطلة حققت معه النيابة فيها وحكمت ببراءته.

هذا التاريخ نحتاج لإحيائه لأننا نحتاج أشد الاحتياج للعقل وللحرية، حتى ننظر فى كل الاحتمالات وكل الافتراضات ونصل إلى الحق والصواب.والاحتفال بكتاب طه حسين احتفال بطه حسين الذى أنار لنا الطريق بعلمه، وبصيرته، وعقله، وضميره. لكننا كنا نتوقع فى هذا العام أيضا أن نحتفل فى معرض الكتاب بمئوية المفكر الكبير الراحل مراد وهبة، فمراد وهبة صورة أخرى رائعة من صور الذين رفعوا لواء الدفاع عن العقل والحرية فى مصر. ويكفى أن أشير هنا إلى ما قدمه عن الفيلسوف الأندلسى الشهير ابن رشد الذى أحيا مراد وهبة فلسفته فى القرن الماضي.

وقد شاءت الأقدار أن يولد مراد وهبة فى العام السادس والعشرين من القرن العشرين كما ولد ابن رشد فى هذا العام من القرن الثانى عشر، وإذن فقد حلت الذكرى المئوية التاسعة لميلاده. وهى مناسبة لا تتكرر إلا كل مائة عام. ونحن فى أشد الحاجة لابن رشد، لأننا فى أشد الحاجة لما قدمه ابن رشد فى تجديد الفكر الديني. لكن الحديث عن البرنامج الثقافى يجب ألا ينسينا سؤالنا الأول عن الكتاب وعما تقدم مؤسساتنا الثقافية للكتاب، فإلى بقية الحديث فى الأسبوع القادم.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية