تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

معا فى اليوم العالمى للشعر

هذه مقالة أكتبها عن الشعر، ليس عن الشعر المصري أو العربي أو الشعر في لغة بالذات، بل عن الشعر كما يعرفه البشر جميعا في لغاتهم المختلفة، فكما أن البشر جميعا جنس واحد وإن تمثلوا في أمم متعددة لكل أمة من الصفات والسمات والتواريخ والتقاليد والأعمال والآثار ما تتميز به عن غيرها، فكذلك الشعر فن واحد، وإن كان له في كل لغة ما يتميز به.

فن واحد بأي معني؟

بمعني أن له مكانا في اللغة يحتله في كل اللغات ودورا فيها لا يؤديه سواه، وله بالتالي قدرته الخاصة علي مخاطبة المتلقي وإثارة مشاعره والوصول إلي أعماقه بصورة لا تتحقق مع أي فن آخر، والخاصية التي يتمتع بها هذا الفن الفريد هي قدرته علي أداء كل الوظائف التي تؤديها اللغة في قصيدة واحدة، وأحيانا في بيت واحد يكشف به عن طاقات جديدة تتحول بها اللغة مهما كانت عراقتها إلي لغة جديدة يحس معها الناطق بها كأنه أول قارئ لهذه اللغة أو أول مستمع لها، هذه الطاقات التي تتجدد مع كل شاعر حقيقي مرجعها قدرة هذا الشاعر علي الإحاطة باللغة ومعرفة أسرارها، كأنما اجتمعت كل الأمة المتحدثة بهذه اللغة فيه، وكأنما أصبح وحده كل الناطقين بهذه اللغة في الماضي والحاضر، لهذا أعجب أشد العجب ممن يظنون أنهم قادرون علي كتابة الشعر باستعمال بعض الطاقات التي تملكها اللغة والاستغناء عن طاقات أخري، والعكس هو ما يطلبه الشعراء الحقيقيون في اللغة، إنهم يطلبون فيها ويضيفون إليها ما لم يكتشفه غيرهم،

وهذا هو الدور الذي يؤديه الشعراء في اللغة التي تبدأ وجودها كلغة قومية علي أيديهم. نعم، اللغة تبدأ حياتها بالشعر، وهل كان للغة اليونانية وجود إلا بملاحم هوميروس؟ وهل أصبح اليونانيون جماعة قومية إلا بلغتهم التي اعتبروها دليلا علي تحضرهم وتفوقهم واعتبروا غيرهم برابرة؟

والدور الذي أدته إلياذة هوميروس في حياة اليونانيين وفي تاريخهم أدته إنيادة فرجيل في حياة الرومان وفي تاريخهم، وهو الدور الذي أداه الشعر في اللغة العربية وأدته اللغة العربية بالتالي في حياة العرب وفي ثقافتهم، وهذا ما نفهمه من العبارة الشهيرة القائلة «الشعر ديوان العرب».

وكلمة الديوان تشير للكتاب الذي يضم قصائد الشاعر.

لكنها تشير أيضا للمجلس الذي يضم أهل الرأي وتقضي فيه المصالح والحاجات، وفي كتابه «العمدة» يتحدث ابن رشيق الذي عاش في القرن الحادي عشر الميلادي عن العبارة المذكورة فيقول: «احتاجت العرب إلي الغناء بمكارم أخلاقها، وطيب أعراقها، وذكر أيامها الصالحة، وأوطانها النازحة، وفرسانها الأنجاد، وسمحائها الأجواد، لتهز أنفسها إلي الكرم، وتدل أبناءها علي حسن الشيم، فتوهموا أعاريض جعلوها موازين الكلام، فلما تم لهم وزنه سموه شعرا، لأنهم شعروا به، أي فطنوا»، وبهذه الفطنة،

وبهذا الفهم للدور الذي يؤديه الشعر في حياة العرب كان ظهور الشاعر في قبيلة من القبائل العربية حدثا تحتفل به القبيلة وتعتبره كنزا لن ينفد، لأنه يملك القول الفصل والجمال الذي يهز أفئدة الجميع، إذ هو جمال اللغة التي يعرف لها الجميع حقها، لأنها لغتهم التي أقاموا لها أسواقا وأعيادا ومواسم يحتفلون بها فيها، وأشهر هذه الأسواق سوق عكاظ التي تقع بين مكة والطائف وتستمر عشرين يوما من أول ذي القعدة إلي العشرين منه، وذو القعدة كما نعرف من الأشهر الأربعة الحرم التي كان العرب يقعدون فيها عن القتال فيتوفر لهم الأمن الذي يمكنهم من التنقل والحج والبيع والشراء في الأسواق التي أقاموها في أنحاء مختلفة من الجزيرة وأهمها سوق عكاظ، وكانت سوقا للتجارة يعرض فيها كل شيء مما تنتجه الجزيرة العربية وما يصل إليها من خارجها، وخاصة من فارس، وكما كانت سوقا للتجارة كانت أيضا سوقا للثقافة والشعر بالذات، يجتمع فيها الشعراء ويتناشدون في مباراة يحضرها الجمهور والمحكمون الذين كانت شهادتهم للشاعر الفائز هي جائزته الكبري، ومن هؤلاء المحكمين النابغة الذبياني الذي كانت تضرب له قبة يستمع فيها للشعراء المنشدين ويحكم لهم، وقوله الفصل الذي يسلم به الجميع.

ويقابل سوق عكاظ التي كانت موسما للتجارة والشعر والحج عند العرب مهرجان ديونيزوس عند اليونانيين أو الديونيسيا الكبري التي كانت تقام في شهر مارس من كل عام تكريما للإله ديونيزوس، وهو إله الكرْم، ومبتكر النبيذ، وراعي الشعر والموسيقي،

ولهذا قدسه اليونانيون وطلبوا لديه الفرح والمتعة وسموه «المخلص من الهموم»، وأقاموا له هذه الأعياد التي كانت احتفالات صاخبة يتخلصون فيها من همومهم بانشاد الشعر والرقص والغناء، ويبدو أن الموسيقار المصري العبقري سيد درويش كان علي معرفة بطريقة ما بالديونيسيا اليونانية التي استلهم منها أغنيته الجميلة: انسى الهموم.

أنسك يدوم، دا اللي يلوم، يصبح يعاني، هات المُدام، ما اتيا اللا امال نشرب!، دا النوم حرام، وما اتيا للا امال نشرب، إملا لي كاسي، وإملاها واسقيني، واديها ياسي، أنطونيو واديني، وإن قلت ياراسي، علي بيتنا وديني، إيفيفا!. ومن الديونيسيا اليونانية استلهمت منظمة اليونسكو فكرة الاحتفال بفن الشعر في يوم سمته «اليوم العالمي للشعر» ودعت فيه إلي «الاحتفاء بالتعبير اللغوي لإنسانيتنا المشتركة»، واختارت له الحادي والعشرين من شهر مارس كل عام، وهو الشهر الذي كانت تقام فيه المهرجانات اليونانية.

◙ ونحن نري أن هذا اليوم مر عندنا دون أن نلتفت له، مما يدل علي حاجة الشعر لأن نتذكره، أو يثبت حاجتنا نحن لأن نتذكر الشعر فالشعر ليس مجرد فن نرفه به عن أنفسنا ثم ننساه ونستغني عنه بأي فن آخر كما فعل البعض الذين ظنوا أنهم حين يقولون إن هذا «زمن الرواية» يضمنون وقوف القراء معهم حتي لا يجدوا أنفسم متهمين بالتخلف إذا ظلوا أوفياء للشعر عارفين له حقه، وهي الحيلة التي لجأ إليها الداعون لإحلال العامية محل الفصحي، لأن العامية هي لغة الحاضر، والفصحي لغة الماضي!

ولا شك في أن قراءة الشعر تحتاج إلي ثقافة لا تحتاج إليها قراءة الرواية، كما أن استخدام العامية في الكتابة يريح الناس من تعلم الفصحي، لكن الثمن الذي سندفعه لو تخلينا عن الفصحي رهيب، لأننا بالفصحي نحيي الماضي، ونبني المستقبل، وبدونها نفقد الاثنين، ولكي نظل أوفياء لأنفسنا علينا أن نظل أوفياء للشعر الذي يحتفل به في هذه الأيام.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية