تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
الحرب ضد إيران والهزيمة لقارة أوروبا!
فى لحظة فارقة من التاريخ، تبدو أوروبا كعجوز أنهكتها الحروب التى لم تخضها، وأثقلتها الفواتير التى لم توقع عليها. فالحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لا تُدار على أرض القارة العجوز، لكنها تُعيد رسم خرائطها، وتكتب فصولًا جديدة من تراجعها الاستراتيجى من مضيق هرمز، حيث يمر نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية، بدأت الصدمة. تعطلت حركة الناقلات، وقفزت أسعار النفط إلى ما يتجاوز 100 دولار للبرميل، فى أكبر اضطراب يشهده سوق الطاقة منذ عقود. أوروبا، التى تستورد الجزء الأكبر من احتياجاتها من الطاقة، وجدت نفسها مرة أخرى فى قلب العاصفة، تدفع الثمن دون أن تملك أدوات التأثير.
اقتصاديًا ، لم تكن القارة فى وضع يسمح لها بامتصاص صدمة جديدة. فالصناعات الثقيلة -من الصلب إلى الكيماويات - تعانى بالفعل من ارتفاع تكاليف الطاقة، ومع اندلاع الحرب تضاعفت الضغوط، وبدأت بعض القطاعات فى الانكماش أو الإغلاق. وتُشير التقديرات إلى ارتفاع أسعار الطاقة بنحو 37 % منذ بداية الأزمة، ما ينذر بموجة تضخم جديدة قد تعصف بما تبقى من تعافى اقتصادى هش.
لكن الأزمة الأوروبية ليست اقتصادية فحسب، بل هى أزمة دور ومكانة. فالقارة التى قادت العالم لقرون، تجد نفسها اليوم خارج غرفة القرار. لم تُستشر فى الحرب، ولم تُمنح حتى حق الاعتراض المؤثر. اكتفت بالدعوات الدبلوماسية، بينما تُرسم خرائط الصراع بعيدًا عنها.
أما سياسيًا ، فقد كشفت الحرب عن تصدعات عميقة فى التحالف عبر الأطلسي. منذ عودة ترامب إلى السلطة، لم تعد العلاقة مع أوروبا قائمة على الشراكة، بل على المقايضة. حماية مقابل ثمن، وأمن مقابل إنفاق عسكري. بل إن واشنطن لم تتردد فى توبيخ حلفائها علنًا لرفضهم الانخراط فى الحرب، واعتبار مواقفهم تقاعسًا.
هذا التوتر ليس طارئًا، بل يعكس تحولًا أعمق. الولايات المتحدة لم تعد ترى فى أوروبا شريكًا استراتيجيًا بقدر ما تراها تابعًا وظيفيًا.وفى المقابل، لا تزال أوروبا عاجزة عن فك هذا الارتباط، بحكم اعتمادها الأمنى والاقتصادى على واشنطن.
أمنيا، تبدو القارة أكثر هشاشة من أى وقت مضى. فمع تراجع الالتزام الأمريكى التقليدى بحماية أوروبا، وتصاعد التهديد الروسى شرقًا، تجد نفسها بين مطرقة موسكو وسندان واشنطن. حتى داخل الناتو، ارتفعت الضغوط لزيادة الإنفاق الدفاعى إلى مستويات غير مسبوقة، فى اعتراف ضمنى بأن المظلة الأمريكية لم تعد مضمونة كما كانت.
وفى الخلفية، يتشكل صراع أكبر بين بكين وواشنطن، بينما تقف أوروبا على الهامش، بلا مشروع مستقل قادر على فرض نفسها كقطب ثالث. لقد تحولت من لاعب رئيسى إلى ساحة تنافس، ومن صانع قرار إلى موضوع للتفاوض.الحقيقة القاسية أن أوروبا تدفع اليوم ثمن خيارات تراكمت لعقود.الاعتماد على الطاقة الخارجية، التراجع الصناعى، الارتهان الأمنى، والانقسام السياسى الداخلي. وهى عوامل جعلتها الأكثر تأثرًا بأى اضطراب عالمى، من أوكرانيا إلى الخليج.
إن النظام العالمى الجديد لا يُولد فى بروكسل، بل فى ميادين الصراع الممتدة من طهران إلى بحر الصين. وفى هذا المشهد، تبدو أوروبا كمن فقد البوصلة.. لا تملك طاقة تكفيها، ولا قوة تحميها، ولا إرادة توحدها.
ربما لم تخرج أوروبا من التاريخ بعد، لكنها بالتأكيد لم تعد تصنعه.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية