تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
المقاومة المصرية
لماذا يجب أن تقف الحرب؟.. ومن يدفع فاتورتها؟.. وهل خرجت المواجهة فى المنطقة عن السيطرة؟
كما فى الحروب دروس وعِظات، وفى نهج السلام فوائد وخبرات، فإن فى منطق الصراع المسلح القائم فى المنطقة خلال السنوات الأخيرة، بما فى ذلك مشهد الحرب الإيرانية الحالية، دروسًا تستدعى التمعن والتوقف معها، ذلك أنها تُقدم مفاهيم ومعانى مختلفة حول المقاومة والبطولة الحقيقية للدول القادرة على الصمود والتعايش وسط أمواج التوتر والصراعات المحيطة.. فمع كل التقديرات التى تُحذر وتخشى من الانزلاق نحو حرب شاملة، أو فوضى إقليمية، بالنظر إلى تشابك وتقاطع الأزمات والصراعات بسرعة مذهلة، واتساع رقعة المواجهة العسكرية فى جبهات عدة، باتت البطولة الحقيقية فى قدرة الدولة على «مقاومة» الانسياق فى نيران الحرب، والنجاة من دوائر الفوضى والتصارع، بدلًا من ادعاء البطولة والتشدق بشعارات رنانة ومضللة وخادعة.
هكذا يُمكن التوقف مع واحدٍ من الدروس التى تُقدمها الدولة المصرية وقيادتها الحالية، فى التعاطى مع واقع الاضطراب الذى يعيشه الإقليم، فواقع الأمر أن تجربة الرئيس عبد الفتاح السيسي، قائمة على إدارة السياسة فى الشرق الأوسط، بعقل الدولة ومقومات قواها الشاملة، وليس بالعاطفة أو الشعارات الرنانة، التى لا تؤتى ثمارًا، أو أحاديث مضللة خادعة تجاوزت زمانها، ولم تسبب سوى الدمار والخراب وإهدار الثروات بسبب مغامرات سياسية قائمة على تقديرات وحسابات منقوصة وغير علمية.
وهذه معانً ربما تحدث عنها الرئيس السيسي فى أكـثـر من مناسبة، حتى ما قبل اندلاع الحرب الإيرانية، حينما أشار إلى أنه رغم كل الظروف الإقليمية المحيطة، لم يغامر بالدولة المصرية والشعب المصرى، ولم يتخذ قرارًا يُضيع به الدولة، أو يخاطر من أجل هوى أو فهم خاطئ أو تقدير منقوص بقرار (دخلنا فى الحيط)- على حد تعبيره».
وإذا كانت معانى المقاومة تاريخيًا تُشير إلى نضال مُنظم، سواء كان مسلحًا أو سلميًا تقوده شعوب أو حركات أو مجموعات، ضد مستعمر أو محتل أو دفاعًا عن حقوق وحريات، إلا أن البطولة والنضال الحقيقى فى محيط الصراعات القائمة، هو ما تقوم به القيادة السياسية المصرية، فى تجنيب الشعب المصرى والدولة الانخراط فى حروب عبثية ومواجهات انتحارية، مهما امتلكت من قوة وقدرة، وهى فى حد ذاتها قمة البطولة الحقيقية، القائمة على تقديرات علمية تنظر لأبعد مما نرى، وتعى وتُدرك حقيقة وأبعاد ما يجرى، وتتحلى بالصبر والحكمة فى الإبحار بسفينة الدولة، وسط أمواج التصارع بسلام.
والحديث هنا لا يقتصر على واقع الحرب الإيرانية الدائرة حاليًا، ذلك أن المحيط الإقليمى للدولة المصرية خلال العقد الأخير، كان مسرحًا لأزمات وتوترات فى دول الجوار المباشر وغير المباشر، غير أن القيادة السياسية، اختارت مسارًا قائمًا على تثبيت وتدعيم وتحديث وتطوير مؤسسات الدولة الوطنية وأركانها، وتعزيز قواها الشاملة، ثم إدارة علاقاتها الخارجية وفق منطق التوازن الاستراتيجى، الذى يستهدف فى الأساس حماية الأمن القومى ومصالح مصر الاستراتيجية، واستقلال القرار الوطنى، دون التورط فى صراعات خاسرة.
وبالتالى نتحدث عن رؤية استراتيجية وطنية جرت صياغتها بأسس علمية دقيقة، وقائمة على تقديرات مواقف مؤسسية، وليس على ردود فعل، وفى نفس الوقت تسلحت الدولة فى سبيل تنفيذها بضرورة امتلاك «القوة» وحكمة استخدامها، فالغاية فى تعزيز قدرات الدولة ليس للاستعراض بها، ولكن لصون استقرارها وسلامها وأمنها، دون أن تُستنزف فى صراعات طويلة تفقدها سريعًا.
لماذا يجب أن تقف الحرب؟
والتقدير المصرى هنا، القائم على التحذير دائمًا من مخاطر وويلات وارتدادات أى خيار عسكرى، ما هو إلا انعكاس لعقيدة وإيمان مصرى، بأن منطق الحلول السلمية، هو الأكثر تأثيرًا واستمرارًا واستقرارًا، وهى تتحدث عن ذلك، من واقع تجارب عديدة خاضتها بنفسها، ما بين حروب كلفت فاتورة الدولة سنوات من غياب التنمية والاستقرار السياسى والأمنى، وبين تجربة سلام رائدة، تحميها القوة وامتلاك القدرة الشاملة على الردع وحماية وصون أمنها القومى.
وبالتالى مثلًا، حينما وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي، نداءً إلى نظيره الأمريكى، دونالد ترامب، قبل عدة أيام، للمساعدة فى وقف الحرب الإيرانية، بعدّه القادر على فعل ذلك، أملًا فى تجنيب المنطقة ويلات الفوضى الشاملة، لم تكن دعوة عابرة لوقف الحرب والصراع بسبب تأثيراتها، ولكن هى رؤية تُعبر عن تقدير مصرى وعقيدة راسخة بضرورة تقديم الحلول السلمية، وأن كل نزاع يمكن تسويته بالحوار والتفاوض.
جاءت مناشدة الرئيس السيسي لترامب، انطلاقًا من تجربة ناجحة أيضًا، حينما تَشاركت القاهرة وواشنطن فى وقف الحرب على قطاع غزة، بعد أن تحدثت مصر بأن الرئيس ترامب هو الوحيد القادر على وقف العدوان على قطاع غزة، وهو ما تحقق بانعقاد قمة شرم الشيخ للسلام، وتبنى خطة لإنهاء الحرب، وبالمنطق نفسه، ومن منطلق أن الولايات المتحدة، أحد أطراف الحرب على إيران، جاء النداء المصرى، بأنه «لا أحد يمكنه إيقاف الحرب الجارية إلا الرئيس ترامب».
والدعوة هنا لا يمكن النظر إليها باعتبارها موجهة لأحد الأطراف المؤثرة فى قرار الحرب، وإنما من منطلق قناعة مصرية ترى أن الحروب لا تجلب سوى الخسائر والتدمير، وأن فى هذا الصراع القائم لا رابح فيه، بل ستمتد آثاره وتداعياته إلى خارج حدود الإقليم والمنطقة، بالنظر إلى الصدمات التى ستحدثها الحرب على أسواق الطاقة العالمية، والتى قد يصل معها سعر برميل النفط إلى 200 دولار، وهو تقدير قد يُسبب أكبر أزمة طاقة عالمية فى العصر الحديث.
وهنا استشهد الرئيس بالتجربة المصرية مع الحروب، حينما أشار إلى أن مصر سبق أن خاضت حروبًا وكلفتها الكثير اقتصاديًا، بداية من حرب فلسطين عام 1948 ومشاركة مصر فيها، ثم العدوان الثلاثى على مصر فى 1956، وصولا للنكسة عام 1967، ثم الانتصار والعبور فى أكتوبر 1973، وصولًا إلى الحرب على الإرهاب التى خاضتها الدولة المصرية منذ عام 2013، وحتى 2022.
من يدفع اقتصاد الحرب؟!
والواقع أن استحضار فاتورة هذه الحروب، ضرورة فى واقع الصراع والحروب القائمة، لاستخلاص الدروس فى تقديرات الموقف والتعاطى مع الأزمة المحيطة، ذلك أن فى قرار الحرب تكلفة، سواء كانت فرض عين لاسترداد أرض أو حق أو الدفاع عن التراب الوطنى، أو قامت بتقديرات خاطئة، وجزء من التكلفة، تعطيل أى مسار تنموى لصالح المعركة.
هكذا بيّنت التجربة فى مصر، والدلائل والأمثلة عديدة، فعند النظر إلى فترة حرب العبور فى أكتوبر 1973، سنجد أن الاقتصاد المصرى كان يتجه بخطى نمو صاعدة، قبل نكسة 1967، مع تدفق الاستثمارات وزيادة نصيب الصناعة والإنتاج فى نهاية خمسينيات القرن الماضى، وهنا يروى الدكتور جلال أمين فى كتابه (قصة الاقتصاد المصرى)، أن هزيمة 1967، ترتب عليها انخفاض شديد فى موارد العملات الأجنبية، كما فقدت مصر آبار البترول فى سيناء، وخربت معامل تكرير البترول فى السويس، وأغلقت قناة السويس التى كانت تُدر لمصر فى المتوسط سنويًا 164 مليون دولار خلال السنوات السبع السابقة للحرب، إضافة إلى انخفاض كبير فى إيرادات السياحة التى كانت تُدر نحو 100 مليون دولار.
ووسط كل هذه الظروف السياسية والاقتصادية الصعبة، وارتفاع الديون الخارجية وقتها، وتراجع الصادرات، لم يكن أمام الدولة المصرية سوى خيار واحد، وهو الحرب فى مواجهة الانكسار، وحتى لا يُفرض عليها سلام غير مُشرّف، فكان الخيار التضحية بالاستمرار فى التنمية، والسماح بالحد الأدنى من الزيادة فى الاستهلاك فى سبيل الاستعداد للمعركة.
بعد الانتصار والعبور، وتحديدًا فى نهاية عام 1973، كان قد تحدث وزير المالية المصرى وقتها، الدكتور عبد العزيز حجازى، أثناء عرض الموازنة أمام البرلمان، إن الدولة دعّمت القوات المسلحة بالموازنات المالية منذ عام 1967 وحتى 1973، بحوالى 5 مليارات جنيه (بتقدير العملة المحلية وقتها)، ليعلن وقتها أيضًا عما يسمى «موازنة التضحية والأمل»، والتى استهدفت تدارك أثار الحرب الاقتصادية والبدء فى تحسين الواقع المعيشى والتنموى تدريجيًا.
وفى الحرب على الإرهاب التى استمرت نحو عشر سنوات ما بعد ثورة 30 يونيو 2013، فقد كلفت الدولة ما بين 30 إلى 40 مليون جنيه يوميًا ليصل إجمالى الإنفاق إلى حوالى 120 مليار جنيه، وفقًا للتقدير الذى أعلنه الرئيس السيسي مؤخرًا، إلى جانب التضحيات التى قُدمت من شهداء ومصابين.. والمعنى هنا ليس فى قيمة رقم التكلفة، ولكن فى مردوده، ذلك أنه لولا هذه الحرب الحتمية والضرورية لاستعادة الأمن والاستقرار الداخلى، لجرى توجيه التكلفة إلى عوائد التنمية ومسار التطوير والتحديث بكل القطاعات.
مع الوضع فى الاعتبار، أن الدولة لم تُعلن فى حربها على الإرهاب «سياسات اقتصاد الحرب»، بمعنى إعطاء الأولوية فى الموازنة العامة للدولة للقوات المسلحة والشرطة والأجهزة القائمة المعنية بمواجهة الإرهاب، وإنما سارت بالتوازى فى مسار التنمية والإنتاج مع الحرب، وهو الخيار الأصعب الذى نجحت فى تنفيذه على مدار 10 سنوات.
امتلاك القدرة على رسم الخطوط الحمراء
إذن تُدرك الدولة المصرية، فى تعاطيها مع الأزمات الإقليمية والصراعات والاضطرابات القائمة فى دول الجوار المباشر وغير المباشر، دروس الماضى، فإذا كانت تتسلح بتطوير قدراتها الشاملة، لصون وحماية أمنها، فهى فى نفس الوقت قادرة على رسم خطوطها الحمراء بوضوح، وفق معطيات كل أزمة، وتعقيدات وتداخلات أطرافها، بما لا يدفعها إلى التورط فى حرب تخسر معها ما بنته وحققته.
على مدار أكثر من عشر سنوات، عملت الدولة المصرية على التحديث والتطوير بالتوازى فى مختلف القطاعات، فكانت البداية بتطوير البنية التحتية من مرافق وخدمات، وبناء مدن جديدة، ومناطق صناعية تحقق التحول من دولة استهلاكية إلى مُنتجة وصناعية، ومعها تطوير فى بناء قوى الدولة الشاملة، ومن بينها القدرة الأمنية والعسكرية، بمنظومة تحديث تشمل المعدات والسلاح والجاهزية والعنصر البشرى.
وأمام امتلاك القوة، كانت قوة الحكمة حاضرة، فى صياغة التوازنات الإقليمية، والتعاطى مع عديد من الأزمات والصراعات التى جرى إشعالها بهدف التأثير على مصر، واستفزازها فى صراع يستنزف قوتها وقدراتها، هكذا كان المشهد فى ليبيا من ميليشيات وتنظيمات إرهابية، والوضع أيضًا فى السودان جنوبًا مع ميليشيا تلوح على فترات بخطاب عدائى ضد الدولة المصرية، والوضع شرقًا فى قطاع غزة من حرب فاقت حدود رد الفعل على مقامرة من حركات المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلى، وصولًا إلى الوضع فى القرن الإفريقى وحوض النيل، والاستفزازات الإثيوبية المستمرة، ضد المصالح المصرية الوجودية.
والمعنى هنا، أن مصر استطاعت أن ترسم خطوطها الحمراء فى كل هذه الدوائر بوضوح، دفاعًا عن مصالحها وأمنها، فى وقت يميل فيه الفاعلون إلى خطابات حماسية، أو سياسات اندفاعية، كان التعاطى المصرى أقل صخبًا وأكثر قدرة على القراءة والإدراك ومن ثم الصمود، فلم تعبأ القاهرة بكل ضغوط تُمارس عليها وادعاءات كاذبة تروجها منصات تستهدف تأليب وإثارة الرأى العام، ذلك أنها تعى درس الماضى جيدًا، وتتحلى هنا بما تحدث عنه الرئيس السيسي فى أكثر من مناسبة، وهو «الصبر الاستراتيجى»، أو عدم اليأس، فالبطولة هنا فى المقاومة والصبر وتجنيب البلاد نيران الحرب.
هذه هى الفلسفة التى تتبناها الدولة المصرية فى تعاطيها مع الحرب الدائرة حاليًا، فمع مؤشرات تعكس مدى خروج الحرب عن السيطرة، ما بين الهجمات فى الجنوب اللبنانى، ودخول الحوثيين فى اليمن المواجهة بقصف أهداف إسرائيلية بصواريخ باليستية، إلى جانب استمرار خطر غلق مضيق هرمز، مع تحركات أمريكية أوسع بوصول قوات «مارينز» وتجهيز سيناريو تدخل برى، إضافة إلى هجمات فى سوريا والعراق، نجد أن القاهرة تقاوم كل هذه الأمواج والتقاطعات، بمقاربة قائمة على عدم اليأس، لدفع الحلول الدبلوماسية، وتسعى لقيادة مسار تهدئة قبل انفجار كبير، لن تكون فيه الحرب بين دولتين، وإنما شبكة صراعات إقليمية متداخلة، يصعب السيطرة عليها.
والخلاصة، أن مصر تُدرك أنها دولة محورية فى الشرق الأوسط، عليها مسؤولية فى التهدئة والحفاظ على التوازن الإقليمى، لكنها تُدرك فى الوقت ذاته أن الحفاظ على هذا الدور يتطلب قدرًا كبيرًا من التوازن والحكمة لا المغامرة أو المراهقة السياسية، إلى جانب امتلاك القدرة على إدارة الدولة فى زمن الاضطراب، وحماية مقدراتها حتى تكون خارج دوائر الخطر والانهيار الذى وقعت فيه دول وتتجه إليه أخرى.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية