تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
ما بين القوسين
هو قوس تم فتحه منذ زمن، ويبدو أن الوصول للقوس الآخر المقابل - أى قوس الإتمام - أصبح وشيكًا. وما بين القوسين هو متن مؤداه باختصار مخل إنهاء فكرة وتيار الانتماء العربى المشترك حضاريًا، أى ثقافيًا ومدنيًا، بعد إنهائه سياسيًا واستراتيجيًا، لتنتهى بإنهائه أى احتمالات لملء فراغ المنطقة بتصورات وإرادات وإمكانيات وتطبيقات أبنائها الموزعين على 22 دولة، تمتد رقعتها الجغرافية من المحيط الأطلسى غربًا إلى الخليج شرقًا، ومن مشارف هضبة الأناضول شمالًا إلى بحر العرب جنوبًا. وسواء كان المطروح والقائم جامعة للدول العربية، أو المطروح المأمول هو مؤسسات عمل مشترك سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا وثقافيًا، أو المطروح هو شرق أوسط تكفل مؤسساته فاعلية للناطقين بالعربية سواء بسواء مع الناطقين بالعبرية والتركية والأمهرية والفارسية؛ فإن الذين يريدون ملء فراغ المنطقة وبالقوة يصرون على ضمان عدم وجود أى فاعلية للناطقين بالعربية، والعمل على منعهم وحرمانهم- وبكل الوسائل- من أى يقظة تحتم عليهم محاولة إحياء ثقافتهم ومدنيتهم، أى حضارتهم، وليكونوا دومًا فى درجة متدنية تتحكم الأطراف الأخرى فى حاضرهم ومصيرهم. ولضمان ذلك، فإن تلك الأطراف، وبشكل أساسى الدولة الصهيونية والولايات المتحدة، ثم بدرجة ثانية بقية الناطقين بغير العربية، وخاصة الأمهرية والفارسية، ثم بدرجة ثالثة التركية؛ لا تكتفى بتعظيم وتصعيد النزوعات القطرية الضيقة لدى الناطقين بالعربية، ولا بتأليب عوامل التفتيت العرقى والجهوى، وإنما- وإضافة لذلك- العمل على تعميق وخلق فجوات تصل إلى حد القطيعة، وربما تصل أحيانًا إلى الاقتتال والقتال وإراقة الدماء، بما يصاحبها من تدمير وتخريب، ويتوّج ذلك بالإجهاز على الدولة الوطنية.
وللأسف فإننى ممن يذهبون إلى وجود فرق عمل داخل الدول الوطنية - بين قوسين «العربية» - تعمل وفق تقسيم عمل منظم لتحقيق ذلك الهدف، وليس شرطًا أن يكون أعضاء تلك الفرق مجندين استخباراتيًا أو مرتبطين وظيفيًا وتوظيفيًا، وإنما قد يكون بعضهم منساقًا فى ذلك التيار المعادى للغة العربية، وللثقافة العربية، وللانتماء الحضارى العربى، ولأى فكرة أو أى تطبيق عملى يعظمان من فرص وجود احتمالات لتنسيق أو تكامل أو اتحاد أو وحدة فيها وصف «عربي»! ومع الأسف فإن الأسى هو أن يتمكن أى مراقب عاصر هذا النزوع دون الوطنى، أى الذى لا تهمه الدولة الوطنية المكتملة بقدر ما يهمه نفوذه فيها وسيطرته على مقدراتها؛ يتمكن من رصد المحطة الأولى فى دول الخليج، وهى محطة شعار «لقد انتقل القرار العربى من دول الماء إلى دول النفط»، وهو شعار أطلقه أول أمين لمجلس التعاون لدول الخليج. ثم وجدنا من سعى لفلسفة الأمر نظريًا، بما مؤداه أن هناك خصوصية حضارية لدول الخليج تجعلها تختلف عن بقية المحيط العربى، لأنها ملتقى لحضارات ثلاث هى العربية والفارسية والهندية، وإنها ديموغرافيًا «سكانيًا» تجمع بين منتمين لهذه الحضارات، ومن ثم لا يجوز نسبة دول الخليج إلى المنظومة الحضارية والسياسية العربية وحدها، لأن فى ذلك إجحافًا بقيمة ودور بقية المكونات. ثم وصل الأمر خلال العقود التى تلت ذلك الطرح إلى ألا يستتر المغالون فيه من أن تكون لغة الحديث فى منازل بعضهم هى الفارسية مثلًا، ولا أن تكون أطروحاتهم الفكرية وقناعاتهم السياسية التى تعبر عنها مقالاتهم أو محاضراتهم أو أحاديثهم صريحة لدرجة الوقاحة فى كيل الاتهامات الباطلة لكل ما يعد من مكونات الانتماء العربى فكرًا، وممارسات وأهدافًا، لنصل الآن- ومن خلال شاشات الفضائيات- لرؤية وسماع بعضهم وهو ينادى بانتهاء أى صلة للخليج بما هو عربى تراثًا وفلسفة وفكرًا وثقافة ومصالح ومستقبلًا، رغم أن ديباجة إنشاء مجلس التعاون تنص بوضوح على ربط حاضر ومستقبل دول المجلس بالأمة العربية، وفيها: «..واقتناعًا بأن التنسيق والتعاون والتكامل فيما بينها إنما يخدم الأهداف السامية للأمة العربية».. «وتماشيًا مع ميثاق جامعة الدول العربية الداعى إلى تحقيق تقارب أوثق وروابط أقوى.. وتوجيهًا لجهودها إلى ما فيه دعم وخدمة القضايا العربية والإسلامية؛ وافقت فيما بينها على ما يلي».. ثم تأتى مواد إعلان المجلس. والملاحظ أن الأعلى صوتًا فى معاداة «العربية» هم من أصول غير عربية، ويبدو أن ثمة عقدة دفينة تحفزهم على نفى أى انتماء عربى، ربما لمعاناة متوارثة لحقت بأسلافهم، وربما بهم وآن أوان الانتقام. وعلى جانب آخر، لم نعدم فى دول الكتلة السكانية الأكبر، الممتدة من العراق إلى سوريا الطبيعية ثم مصر وشمال إفريقيا، من يدخل بأطروحاته داخل القوس، ابتداء من دعاة «الفرعونية» ودعاة «البحر متوسطية» و«دعاة الفرانكفونية» ودعاة «الإسلاموية»، وبالطبع وجدنا من يستنكر ويؤصل لعدم انتماء مصر لحضارة عربية إسلامية، ويريد تغيير اسم البلد وعلمها ولغتها ودورها.
وهذا حديث آخر
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية