تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

حول انشغالات بعض النخبة

كلما صادفنى الفشل فى قراءة ظواهر متعددة، واستغلق الفهم عن استقبال الأمور كما هي- أى مسلمات دون مناقشة- أستعيد العبارة التى أوجعتنى فيما كنت فى بداية المرحلة الإعدادية، منتصف الخمسينيات من القرن الفائت، إذ اتسعت مساحة ما تملكته عائلتنا من أرض فى قريتنا، وكان أبى المدرس يحرص على أن نقضى عطلتى نصف العام وآخر العام هناك. ولأن اتساع المساحة تبعه زيادة النفقات المتنوعة، لما يلزم للزراعة كان لابد من وجود نوتة، تكتب فيها تلك النفقات، وكان المكلف بالتسجيل أحد أبناء أعمامى، الذى لم يتمم تعليمه، وتوقف عند الشهادة، التى ظلت تنطق «نحو الأمية»، وليس محو الأمية. وذات ليلة باردة كان الكبار جالسين على الكنب والصغار يفترشون حصيرة.. وصدر الأمر من الكبير: «هات النوتة يا فلان، وأعطها لابن عمك– الذى هو العبد لله– ليقرأ ما هو مسجل فيها، ويجمع الحساب والتفريدة».. ولأن الخط كان بالغ الرداءة، والحروف فى حالة يرثى لها، والأرقام متناثرة لا تعرف آحادها من مئاتها، والشطب يطمس ما تبقى؛ فقد فشل العبد لله فى فك أى طلسم، ثم اخترقت العبارة بدنه وعقله: «قوم.. أمال متعلم إيه وهباب إيه.. والله ما أنت فالح»!. أتذكرها مرات متعددة، تارة عندما أفشل فى فهم حكاية الأصول وبيعها.. وفى فهم خدمة الدين والفرق بين سداد الفائدة وسداد الأقساط، وحكاية إن النسبة بين الدين والدخل القومى آمنة.. وعندما أفشل فى حل معضلة الحياة الحزبية والنقابية.. وإشكالية تكرار الخلل فى الانتخابات، ومعه الحرص على النظام الانتخابى الذى تسبب فيه.. وتكرار إمكانية بقاء الخلل فادحًا وعلنيًا، إلى أن يتدخل السيد رئيس الجمهورية، الذى يحمل على عاتقه مهام جسيمة، ثم إننى أعترف بفشلى فى فهم إصرار بعض أطراف النخبة الفكرية والثقافية والصحفية والجامعية على تجسيد النوتة إياها، وكأنهم ما زالوا فى مرحلة «نحو الأمية».. لأننا نصادف مساحات واسعة فى صفحات الرأى بالصحافة وفى صفحات مواقع التواصل إياها؛ منشغلة تمامًا بقضايا أظنها فرعية قياسا على قضايا أخرى أعتقد أنها رئيسية وأولى بالاستحواذ على الاهتمام العام.. وعلى سبيل المثال وليس الحصر وجدنا انشغالًا وعراكًا نشب بسبب لقطة انتشرت، وفيها بعض الأشخاص من المعممين يقبّلون ظاهر كف وزير الأوقاف الدكتور الأزهري.. ولقطة أخرى فيها الوزير والمفتى الأسبق الدكتور على جمعة وآخرون يزورون ضريح السيد أحمد البدوى، ويقفون بخشوع أمام المقصورة!. ثم وجدنا انشغالًا وعراكًا على ما تم تناقله بأنه حدث فى إحدى عربات المترو، وفحواه أن عجوزًا صعيديًا نهر فتاة وضعت ساقًا على ساق أمامه. ووجدنا عراكًا حول فيلم «الست»، وعراكًا تبودل فيه القصف الشديد بأثقل عيارات القذائف الفكرية والثقافية حول مراد وهبة بمناسبة رحيله وهو فى عمر المائة. ووجدنا قصفًا متبادلًا أيضًا بين من بدأوه بانتقاد قيام بعض الرموز السياسية بعقد لقاء لمناصرة فنزويلا، وتمت السخرية المجحفة بهم فجاء الرد عاجلًا من الذين رأوا أن ذلك اللقاء هو أبسط ما يمكن عمله فى مواجهة الجبروت الترامبى الأمريكي. وفى حكاية تقبيل الأيادى وزيارة الأضرحة ومعها حكاية فتاة الساق على الساق والعجوز الصعيدى الساخط؛ بدا الأمر مضحكا لي.. ضحك كالبكا- كما قال المتنبي- لأننا فى حياتنا، وخاصة إذا كنا من أصول ريفية أو نشأنا فى أحياء شعبية؛ عرفنا تقبيل أيادى الأجداد والآباء والأمهات والأعمام والأخوال، وسيدنا صاحب الكتّاب، وعريف الكتّاب، وامام المسجد، وكل كبير نصادفه، ناهيك عن المعلم والناظر، خاصة إذا كبروا فى السن وصادفناهم فى الطريق، وعن شيخ الطريقة الصوفية ومعهم إخوتنا فى الله من أبناء الطريقة، ولا يقتصر الأمر على المواطنين من المسلمين، لأن المواطنين المسيحيين يمارسون- وباحترام وحب شديدين- تقبيل يد رجل الإكليروس، بل إن هناك طقسًا هو المطانيا التى تلمس فيها الأرض عند قدم الرتب الكنسية الأعلى.. وفى الحالتين يبادر رجل الدين بسحب يده، وبرفع لامس الأرض من سجوده! أى أن الأمر ضفيرة ثقافية شعبية يمتزج فيها الدين بالعادات والتقاليد، والعجيب أن السادة الذين لم يتعلموا قبل أن يتعلمنوا ويستلبوا لأنفسهم دور ومكانة الوصاية على عقولنا وسلوكنا وعاداتنا الشعبية التليدة؛ أصبحوا أشد وطأة من الآخرين الذين يمارسون وصاية باسم المذهب الدينى كالسلفيين مثلًا.وكذلك الحال بالنسبة لعجوز المترو حيث نعرف ونمارس فى تقاليدنا الشعبية عدم وضع ساق على ساق فى حضور الكبار أو إمام ذوى المكانة الرفيعة فى مناصب معينة، لأن وضعها يجعل الحذاء أو النعل موجهًا لوجه الطرف الآخر. ولذلك قالوا فى أمثالهم» اقعد معووج واتكلم عدل» أى اجلس وساقك على الأخرى وحرك العليا- وفيها النعل- كما شئت، فهذا مقبول، أما أن تعوج فى جلستك ويأتى كلامك معوجًا أيضًا فهذا غير مقبول. وقد عشت سنين، لم يكن واردًا فيها وضع الساق على الساق، إضافة إلى عدم ورود التدخين أو الضحك والكلام بصوت مرتفع.

 

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية