تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > أ.د. نظير محمد عياد > قيمُ الرحمةِ فى مدرسةِ الصيام

قيمُ الرحمةِ فى مدرسةِ الصيام

رمضان شهر مبارك يأتى كل عام لِيَبنى فى وجدان الأمة مدرسةً إيمانيةً متكاملة، قوامُها تزكيةُ النفس، وتقويمُ السلوك، وترسيخُ القيم التى يصلح بها حال الفرد والأمة، ويستقر المجتمع إيذانًا بالنهوض، وفى طليعة هذه القيم قيمةُ الرحمة، التى جعلها الله تعالى جوهرَ الرسالة المحمدية، كما قال سبحانه: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ» (الأنبياء: 107).

فالرحمة فى الإسلام ليست خُلُقًا فرديًّا فحسب، بل هى مبدأٌ حضاريٌّ شامل، تتجلَّى آثاره فى علاقة الإنسان بربه، وبنفسه، وبغيره من الناس، وقد شرع الله الصيام لتحقيق التقوى، كما قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كما كتب على الذين من قبلكم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» (البقرة: 183).

والتقوى فى حقيقتها استشعارُ رقابة الله، والانضباطُ بأمره، والسيرُ على منهج الرحمة فى التعامل مع خلقه. فإذا تهذَّبت النفس بالصوم، وتحرَّرت من سلطان الشهوة، تفجَّرت فيها ينابيع التعاطف، وتولَّدت مشاعر المواساة للضعفاء والمحتاجين.

 

أخى القارئ الكريم

إن الصائم حين يذوق ألم الجوع والعطش طواعيةً، يدرك معاناة من يكابدونه قسرًا؛ فيرقُّ قلبُه، وتلين جوارحه، ويغدو أكثر استعدادًا للبذل والعطاء. ولذلك اقترنت عبادة الصيام بتعظيم شأن الزكاة والصدقة، قال تعالى: «وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ» (البقرة: 177).

فالرحمة هنا ليست عاطفةً عابرة، بل التزامٌ عمليٌّ يُترجم إلى كفالةٍ، وإغاثةٍ، وتكافلٍ اجتماعيٍّ راسخ، وقد جسَّد النبى صلى الله عليه وسلم أسمى صور الرحمة فى هذا الشهر المبارك؛ فكان أجود الناس، وكان أجود ما يكون فى رمضان، كما جاء فى صحيح البخارى. وما ذلك إلا ثمرةُ رحمةٍ مستقرةٍ فى قلبه الشريف؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من فى الأرض يرحمكم من فى السماء» (رواه الترمذي).

فالرحمة المتبادلة بين الناس سببٌ فى استحقاق رحمة الله، وهى قاعدةٌ أخلاقية تؤسس لعلاقاتٍ إنسانيةٍ متوازنة يسودها التراحم لا التنازع، ومن معالم الرحمة فى مدرسة الصيام تهذيبُ اللسان، وضبطُ الغضب، وكفُّ الأذى؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إنى صائم» (متفق عليه).

فهذا التوجيه النبوى يربّى المسلم على الحِلم، ويُدرِّبه على كظم الغيظ، ويغرس فى سلوكه خُلُق الرفق، وهو من أسمى صور الرحمة، كما أن قيام الليل وتلاوة القرآن فى رمضان يورثان خشوعًا فى القلب، ورقَّةً فى المشاعر، واستعدادًا لمسامحة الخلق والعفو عنهم. وقد قال تعالى فى وصف عباده الصالحين: «وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» (آل عمران: 134).

فالعفو والإحسان سلوكان عمليَّان لصورة الرحمة حين تنطبع فى نفس المسلم الصائم، وإن الأمَّة اليوم أحوج ما تكون إلى إحياء قيم الرحمة فى واقعها، فى ظل ما يشهده العالم من صراعاتٍ وأزماتٍ إنسانية.

ومدرسة الصيام قادرة -إذا فُهمت مقاصدها وأُحسن تطبيقها- على تخريج أجيالٍ تتبنَّى ثقافة الرحمة، وتوقن بأن القوة الحقيقية ليست فى البطش، بل فى ضبط النفس، وأن العظمة ليست فى الاستعلاء، بل فى الإحسان، فلنجعل من رمضان منطلقًا لترسيخ الرحمة فى بيوتنا ومؤسساتنا ومجتمعاتنا، ولتكن عباداتنا سبيلًا إلى إصلاح قلوبنا، وإحياء ضمائرنا، وتعزيز أواصر الأخوة بيننا. نسأل الله أن يجعلنا من عباده الرحماء، وأن يفيض علينا من رحمته التى وسعت كل شيء؛ إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.

وللحديث بقية.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية