تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
رمضان وبناء روح العطاء
يهلُّ علينا شهر رمضان المبارك كل عام مُجدِّدًا فى الأمة معانى الإيمان، غارسًا فى القلوب رُوح العطاء التى تُعَدُّ من أعظم ثمار العبادة وأسمى مقاصدها، وقد بيَّن القرآن الكريم الغاية الكبرى من الصيام بقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» (البقرة: 183). وبتوخى ذلك المقصد، وللوصول إلى تلك الغاية، لا يكون الصيام مجرد امتناعٍ عن الطعام والشراب، بل ينبغى أن يكون حالة يقظةٍ روحية تُثمر رحمةً فى القلب، ورقةً فى الشعور، واستشعارًا عميقًا بمسئولية الإنسان تجاه أخيه الإنسان، فالصائم، حين يكفُّ عن شهواته مختارًا، إنما يروِّض نفسَه على كبح أنانيتها،
ويتعلَّم معنى المشاركة الوجدانية للفقير والمحتاج، ومن هنا يتجلَّى الارتباط الوثيق بين الصيام والعطاء؛ إذ قرن الله تعالى بين العبادة والإنفاق فى مواضع عدة، فقال سبحانه: «مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ» (البقرة: 261)، وقال جل شأنه: «وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ» (الحشر: 9).
فالعطاء فى الإسلام ليس تفضُّلًا عابرًا، ولا إحسانًا طارئًا، بل خُلُقٌ إيمانيٌّ أصيل تتكامل به شخصية المسلم، ويترسخ به بنيان المجتمع، وقد جسَّد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم النموذج الأسمى لرُوح العطاء، ولا سيما فى شهر رمضان؛ ففى صحيح البخارى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: «كان رسول الله أجود الناس، وكان أجود ما يكون فى رمضان حين يلقاه جبريل»، وهذا يدل على أن العبادة الحقَّة تُثمر جودًا وسخاءً، وأن الصيام إذا لم ينعكس إحسانًا إلى الخلق فَقَدَ جانب كماله،
ولم يقتصر مفهوم العطاء فى السُّنة النبوية على المال فحسب، بل اتَّسع ليشمل كل ألوان الخير؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم، كما فى صحيح مسلم: «كلُّ سُلامى من الناس عليه صدقة…
وتعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل فى دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة». فالعطاء منهج حياة يتجلَّى فى الكلمة الصادقة، وفى الإصلاح بين الناس، وفى نشر العلم، وفى بث الطمأنينة فى القلوب.
ولإشاعة روح التكافل فى المجتمع المسلم وتعميق معانى الأخوة بين أفراده، حثَّ النبى على تفطير الصائمين؛ فقال: «من فطَّر صائمًا كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء» (رواه الترمذى).
هذا التوجيه النبوى إنما يؤسِّس لثقافة المشاركة المجتمعية، ويجعل من رمضان موسمًا لترسيخ التضامن وتقوية الروابط الاجتماعية، ولقد وسَّع القرآن دائرة العطاء حتى جعله معيارًا للبر الحقيقى، فقال تعالى: «لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين»… وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين (البقرة: 177)، فجمع بين الإيمان الصادق والعمل الاجتماعى الفاعل، وبين العقيدة الراسخة والسلوك العملى.
أخى القارئ الكريم
إن أمَّتنا اليوم، فى ظل ما يشهده العالم من أزمات إنسانية واقتصادية، أحوج ما تكون إلى استلهام هذا المعنى القرآنى والنبوى للعطاء؛ ليكون رمضان منطلقًا لإحياء فريضة التكافل، وتجديد عهد الرحمة بين الناس. وليس المقصود أن يظل العطاء حبيس أيام الشهر الكريم، بل أن يتحول إلى خُلُقٍ دائم وسجيةٍ راسخة، امتثالًا لقوله تعالى: «وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ» (البقرة: 110)، نسأل الله أن يجعل صيامنا سبيلًا إلى صلاح القلوب، وقيامنا باعثًا على الإحسان إلى خلقه، وأن يرزقنا صدق العطاء وخلوص النية؛ إنه نعم المولى ونعم النصير.
وللحديث بقية
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية