تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الغفلة وأثرها فى ضياع العمر

ليست الغفلةُ مجرد ذهولٍ عابر يطرق باب القلب ثم يمضى، وإنما هى حالةٌ تشبه السُّبات، إذا دامت أطفأت جذوة الروح، وعاقت يقظة الضمير، وترسبت بلادة فى النفس، وكبَّلت خطاها عن معارج الحق، حتى تمضى الأعوام ولا يشعر صاحبها كيف انفرط عقد عمره، فالغفلة فى جوهرها انصرافُ القلب عن غايته الكبرى، وذهولُه عن حقيقة وجوده، وانشغاله بما خُلق له عمَّا خُلق من أجله، وقد حذَّر القرآن الكريم من هذه الآفة تحذيرًا بالغًا، وقرع ناقوس الخطر إذ قال سبحانه: «اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ» (الأنبياء: 1)، فجعل الغفلة قرينة الإعراض فكأنهما صنوان لا يفترقان؛ لأن القلب إذا غفل أعرض، وإذا أعرض قسا، وإذا قسا ابتعد عن موارد الهداية، وقال جل شأنه: «..وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ» (الأعراف: 205)، وهو نهيٌ يحمل فى طيَّاته دعوةً دائمة إلى استحضار ذكر الله، واستدامة مراقبته فى خلوة السر وجلوة العلن.

أخى القارئ الكريم:

إن أخطر ما فى الغفلة أنها داء صامت لا تُشعر صاحبها بخطرها؛ فهى تتسلل إلى النفس فى صورة اعتيادٍ يومى، أو انشغالٍ دائم، أو تسويفٍ لا ينتهى، يؤجِّل الإنسان توبته إلى غد، وإصلاحه إلى حين، ومراجعته نفسه إلى فرصةٍ قادمة، حتى يفجأه الزمن وقد استنفد رصيده، وصدق الله العظيم إذ يقول: «حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ» (المؤمنون: 99)، إنها صرخة ندمٍ متأخرة تكشف أن العمر الذى ضاع فى الغفلة لا يُستعاد، وأن الفرص التى أُهدرت لا تعود، وقد بيَّن النبى ء قيمة اليقظة وخطورة الانشغال الفارغ، مشخصًا أزمة الوعى البشرى حيث يقول: «نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ» (رواه البخاري)، فالغبن هنا هو الخسارة الخفية التى لا يتنبه إليها الإنسان إلا بعد فوات الأوان، والصحة والفراغ هما وعاء العمر؛ فإذا امتلآ بالغفلة ضاع رأس المال، وإذا عُمِرا بالطاعة والعمل الصالح أثمرا خيرًا لا ينقطع، والغفلة لا تعنى ترك العبادة بالكلية فحسب، بل قد تكون فى أداءٍ بلا حضور، أو ذكرٍ بلا تدبر، أو عملٍ بلا إخلاص، إنها غياب المعنى وإن حضر الشكل، وفقدان الروح وإن بقى الجسد، ولذلك كان العلاج الأصيل للغفلة هو إحياء القلب بذكر الله، كما قال تعالي: «...وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ...» (الكهف: 24)، فالذكر ليس كلماتٍ تُردَّد فحسب، بل هو وعيٌ دائمٌ بمعية الله، واستحضارٌ لمراقبته، وشعورٌ بأن للحياة رسالةً لا يجوز أن تُهمَل، من آثار الغفلة كذلك أنها تُضعف الإحساس بالمسئولية، فيعيش الإنسان لنفسه وحدها، وينشغل بمصالحه الضيقة، ويغفل عن واجبه تجاه أسرته ومجتمعه وأمَّته، أما اليقظة الإيمانية فتصنع إنسانًا حيَّ الضمير، يرى فى كل يوم فرصةً للبذل، وفى كل موقف ميدانًا للاختبار، فيسعى أن يكون أثره فى الحياة طيبًا، وعمره شاهدًا له لا عليه.

إن العمر ــ أخى القارئ الكريم ــ رأس مال الإنسان الحقيقى، وكل يوم يمضى لا يعود، وكل ساعة تنقضى تُطوى فى سجل الأعمال، وقد قال الحسن البصرى رحمه الله: «يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يومٌ ذهب بعضك»، فكيف يليق بعاقلٍ أن يُبدِّد أيامه فى غفلةٍ تُنسيه آخرته، وتحرمه لذة القرب من ربِّه، وتجعله يفيق على خسارةٍ لا تعوَّض، ومن ثمَّ فإن النجاة من ضياع العمر تبدأ بيقظةٍ صادقة، ومحاسبةٍ جادة، وتجديد عهدٍ مع الله لا ينقطع بانقضاء موسمٍ أو مناسبة، فإذا استيقظ القلب من غفلته، وعرف الإنسان قدر أيامه، تحوَّل الزمن فى يده إلى فرصة بناءٍ وترقٍّ، وصار كل يومٍ يمرُّ به خطوةً إلى رضوان الله، لا صفحةً جديدة فى سجل الندم، فطوبى لمن تنبَّه قبل فوات الأوان، وجعل من يقظته جسرًا إلى التوبة، ومن عمره مزرعةً للآخرة، ومن أيامه شاهدًا على صدق سعيه، حتى يلقى الله وقد أحسن استثمار نعمة الحياة، ونجا من غفلةٍ كادت تسرق منه عمره الذى هو أثمن ما يملك.

وللحديث بقية

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية