تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > أ.د. نظير محمد عياد > الصيام وإصلاح الداخل الإنسانى

الصيام وإصلاح الداخل الإنسانى

الصوم فى التصور الإسلامى عبادةٌ ذات أبعادٍ عميقة، تتجاوز فى حقيقتها حدود الإمساك الحسى عن الطعام والشراب، لتنفذ إلى أعماق النفس الإنسانية؛ ترميمًا للضمير، وتزكيةً للروح، وإحياءً لمعانى الصفاء الداخلى،

فالإسلام حين يشرِِّع عبادةً إنما يستهدف تقويم الإنسان من داخله؛ إذ إن صلاح الظاهر ثمرةٌ لسلامة الباطن، وفساد السلوك إنما هو أثرٌ لاختلال القلب واعتلاله،

ومن هنا يأتى شهر الصيام كل عام درسًا ربانيًّا يعيد التوازن بين الجسد والروح، وبين الرغبة والواجب، وبين المادة بضيق مطالبها والمعنى برحابة آفاقه، وقد لخَّص القرآن الكريم الغاية الكبرى من هذه العبادة فى قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ… لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» (البقرة: 183). فالتقوى ليست انفعالًا عابرًا أو حالةً وجدانيةً طارئة، بل هى يقظةٌ داخلية، ومراقبةٌ دائمة، وانضباطٌ أخلاقى يحفظ الإنسان من الزلل، وإذا استقرَّت التقوى فى القلب، استقام السلوك، وسَمَتِ الأخلاق، وانعكس ذلك صلاحًا على الفرد والمجتمع.

 

أخى القارئ الكريم

إن معركة الإصلاح الحقيقية تبدأ من القلب؛ فهو موطن الإيمان، ومحلُّ نظر الله من عباده، وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن فى الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهى القلب» (متفق عليه). والصيام بما يتضمنه من مجاهدةٍ للنفس وكبحٍ للشهوة، يدرِّب الإنسان على تهذيب دوافعه، ويحرره من أَسْر الغريزة، فيرتقى من سجن المادة إلى رحابة المعنى، ولهذا كان الصيام عبادةً خالصةً بين العبد وربه، كما جاء فى الحديث القدسى «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لى وأنا أجزى به» (متفق عليه) وهذا الاختصاص الإلهى يرسِّخ معنى الإخلاص، ويعمِّق صدق المراقبة، ويجعل الإنسان أكثر وعيًا بمسئوليته أمام ربه، كما يربِّى الصيام الصائم على ضبط اللسان، وصيانة الجوارح، وتنقية السلوك من شوائب الزيف والانحراف؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجةٌ فى أن يدع طعامه وشرابه» (صحيح البخارى). فإصلاح الداخل لا يكتمل إلا بتخلية القلب من الغلِّ والحسد، والكذب والظلم، والتحلِّى بالصدق والأمانة والعدل وحب الخير للناس. وهكذا يتحول الصيام من عادةٍ موسمية إلى منهجٍ دائمٍ يعيد تشكيل الشخصية على أساسٍ أخلاقى راسخ، ومن أعظم وسائل إصلاح الداخل فى شهر الصيام الإقبال على القرآن الكريم، الذى وصفه الله بقوله: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِى الصُّدُورِ» (يونس: 57). فالقرآن دواءٌ لأمراض القلوب من غفلةٍ وكِبرٍ وحسد، وهو نورٌ يكشف للإنسان عيوب نفسه، ويهديه إلى سبل الإصلاح، كما أن قيام الليل، وكثرة الدعاء، وصدق الاستغفار فى رمضان، تعمِّق الصلة بالله، وتجدد فى النفس روح التوبة والإنابة؛ قال تعالى: «وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (النور: 31). فالتوبة الصادقة ليست مجرد لفظٍ يُقال، بل مراجعةٌ واعيةٌ للذات، وتصحيحٌ للمسار، وعزمٌ جادٌّ على فتح صفحةٍ جديدة.

وختامًا أخى القارئ الكريم

عليك أن تعلم أن العالم اليوم يواجه أزماتٍ أخلاقيةً وإنسانيةً متشابكة، مردُّ كثيرٍ منها إلى خللٍ فى الداخل قبل الخارج، وإذا أردنا إصلاح الواقع، فلابد أن نبدأ بإصلاح الإنسان من أعماقه؛ والصيام، بما يحمله من معانى الانضباط والمراقبة والتزكية، يمثل ركيزةً أساسيةً فى هذا البناء الحضارى، فلنجعل من هذه العبادة المباركة فرصةً حقيقيةً لمحاسبة النفس، وتطهير القلب، وتصحيح النية، حتى نخرج من مدرسة الصيام بإنسانٍ أكثر صفاءً، وأعمق وعيًا، وأصدق التزامًا بقيم الحق والخير. نسأل الله أن يصلح سرائرنا، ويزكى نفوسنا، ويجعل صيامنا سبيلًا إلى نهضةٍ أخلاقيةٍ تعمُّ الفرد والمجتمع؛ إنه وليُّ ذلك والقادر عليه. وللحديث بقية.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية