تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > News List > سبوت : البصمة الكربونية.. التحدي الجديد أمام الصناعة المصرية
source icon

سبوت

.

البصمة الكربونية.. التحدي الجديد أمام الصناعة المصرية

كتب:هايدي شتات



لم يعد «الكربون» مجرد رقم مدوَّن في تقارير الاستدامة أو التزامات بيئية شكلية، بل تحول إلى عملة تجارية حاكمة تعيد صياغة قواعد التبادل التجاري مع الأسواق العالمية، وعلى رأسها السوق الأوروبية، ولم يعد التنافس قائمًا على السعر والجودة فقط، بل أضيف إليهما عنصر ثالث لا يقل أهمية وهو البصمة الكربونية للمنتج.

وبات العقد التجاري اليوم يُقيَّم وفق معادلة جديدة تجمع بين السعر والجودة ومستوى الانبعاثات، في وقت لم يعد فيه المستورد الأوروبي مستعدًا لتحمل أعباء ضريبية إضافية إذا توافر بديل «أخضر» في دولة أخرى، وهو ما يضع المصدرين أمام خطر حقيقي يتمثل في فقدان الأسواق، لا بسبب جودة المنتج، بل بسبب أثره البيئي.

البصمة الكربونية
تحدث الأستاذ الدكتور زياد خليفة، أستاذ الهندسة البيئية والتنمية المستدامة بكلية الهندسة في الجامعة البريطانية في مصر، عن التحولات العالمية المتسارعة نحو الاقتصاد الأخضر، مؤكدًا أن ضريبة البصمة الكربونية (Carbon Border Adjustment Mechanism – CBAM) برزت كأداة استراتيجية تنقل قضايا البيئة من إطارها التقليدي إلى صلب السياسات الاقتصادية العالمية، وأوضح أن هذه الآلية لم تعد مجرد التزام بيئي، بل تحولت إلى رؤية اقتصادية شاملة تسعى إلى تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والاستدامة البيئية، وتسهم في إعادة رسم خريطة التجارة الدولية.

وأشار د. خليفة إلى أن ضريبة البصمة الكربونية تمثل في جوهرها استراتيجية اقتصادية عالمية وليست أداة بيئية فقط، لافتًا إلى أن مصر، في ظل ما تنفذه من مشروعات قومية وخطط للتحول الصناعي الأخضر، تمتلك فرصة حقيقية لاستثمار هذه الآلية في تعظيم قدراتها التنافسية، بما يسهم في تعزيز الصادرات المصرية للأسواق العالمية، ودعم الابتكار والاستدامة، إلى جانب ترسيخ موقع مصر كقوة إقليمية فاعلة في مجال الاقتصاد الأخضر.

وأضاف أن تبني رؤية وطنية واضحة، مدعومة بمبادرات صناعية مبتكرة، من شأنه أن يحول ضريبة البصمة الكربونية من تحدٍّ محتمل إلى فرصة استراتيجية تجمع بين حماية البيئة وتعزيز النمو الاقتصادي، بما يؤهل مصر لتقديم نموذج إقليمي يُحتذى به في مسار التحول الأخضر.

وفيما يتعلق بالاتفاقية وشهادة البصمة الكربونية، أوضح د. خليفة أن البصمة الكربونية تقيس إجمالي الانبعاثات الناتجة عن إنتاج ونقل واستهلاك السلع، مشيرًا إلى أن توثيق هذه الانبعاثات من خلال شهادة رسمية أصبح مطلبًا أساسيًا لتصدير المنتجات إلى الأسواق الأوروبية والدول المتقدمة.

وبيّن أن شهادة البصمة الكربونية تتضمن عددًا من المكونات الرئيسية، من بينها تحديد المنتج والجهة المنتجة، وقياس كمية الانبعاثات لكل وحدة منتج عبر جميع مراحل سلسلة القيمة، إلى جانب توثيق منهجية الحساب بما يضمن الشفافية أمام الجهات الرقابية، فضلًا عن تحديد مدة صلاحية الشهادة وتاريخ إصدارها لضمان الالتزام بأحدث المعايير المعتمدة.

بنود أساسية
وأشار إلى أن بنود الاتفاقية الأساسية تشمل إلزامية تقديم شهادة البصمة الكربونية للمنتجات المصدرة، وتحديد حدود قصوى للانبعاثات، وفرض رسوم تصاعدية على السلع ذات الانبعاثات المرتفعة، كما تهدف الاتفاقية إلى تحفيز تبني التكنولوجيا النظيفة والتوسع في استخدام الطاقة المتجددة، فضلًا عن تعزيز الابتكار في مجالات الإنتاج منخفض الانبعاثات، بما يدعم التحول نحو اقتصاد أكثر استدامة وتنافسية.

الفرص والتحديات لمصر
وأشار د. خليفة إلى أن المنتجات المصرية الصديقة للبيئة، مثل المحاصيل العضوية والحديد والصلب منخفض الانبعاثات، ستحظى بميزة تنافسية عالمية، وأوضح أن التحول نحو التقنيات النظيفة والابتكار الصناعي من شأنه زيادة القدرة التصديرية وجذب الاستثمارات الأجنبية، لافتًا إلى أن مصر تمتلك فرصة حقيقية لتصبح نموذجًا إقليميًا رائدًا في مجال الاستدامة الصناعية والزراعية.

وحول التحديات، ذكر د.خليفة أن بعض الصناعات التقليدية ستواجه تكاليف إضافية لتحديث خطوط الإنتاج، كما أن المنتجات غير المتوافقة مع المعايير البيئية قد تخضع لرسوم جمركية إضافية، وأكد وجود حاجة ملحة لتطوير البنية التحتية الرقمية والرقابية بما يضمن متابعة قياس البصمة الكربونية بدقة وشفافية.

مشروعات قومية
ويؤكد د. خليفة أن الحكومة المصرية تتبنى خطوات استراتيجية واضحة في مسار التحول الأخضر، من خلال تنفيذ مشروعات قومية كبرى تشمل إنشاء المدن الصناعية الجديدة، والتوسع في مشروعات الطاقة المتجددة، سواء الشمسية أو طاقة الرياح، بهدف خفض الانبعاثات، كما تعمل الدولة على تحفيز القطاع الخاص للاستثمار في خطوط إنتاج منخفضة الانبعاثات، إلى جانب التوسع في تطبيق التقنيات النظيفة والرقمنة الصناعية، مع الالتزام بمعايير ISO 14064 لقياس البصمة الكربونية.

وأشار إلى أن التحول الزراعي الأخضر يمثل أحد المحاور الرئيسية عبر التوسع في الزراعة الذكية مناخيًا، واستخدام الطاقة المتجددة وإعادة التدوير، وأكد أن هذه السياسات تضع مصر في موقع استراتيجي يؤهلها للتحول إلى نموذج اقتصادي أخضر قادر على المنافسة عالميًا دون الإضرار بمعدلات النمو الاقتصادي.

التأثير الاقتصادي المتوقع
ويقول د. خليفة إنه رغم أن مصر ليست ضمن الدول المطبقة مباشرة لضريبة الكربون، فإن الصناعات المصدرة باتت مطالبة بالالتزام بالمعايير الدولية لتجنب فرض رسوم مرتبطة بالبصمة الكربونية، وأضاف أنه على المدى المتوسط والطويل ستستفيد مصر من تقليل تكاليف الطاقة وتعزيز القدرة التنافسية للصادرات، إلى جانب جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة في المشروعات الصديقة للبيئة.

التطوير ليس رفاهية
وأشار الخبير الاقتصادي رشاد عبده إلى أن التراخي في اعتماد المعايير الدولية للصناعة والتصدير يمثل خطرًا حقيقيًا، مؤكدًا أن الالتزام بالمواصفات العالمية لم يعد خيارًا بل ضرورة للبقاء في الأسواق الدولية، وشدد على أن منطق الاستكانة أو التحجج بضعف الإمكانيات لم يعد مقبولًا في عالم لا يعترف إلا بالأقوى والأكثر جودة.

وضرب مثالًا بشحنات العصير المصرية التي تم رفضها، مؤكدًا أن السبب لم يكن تعنتًا أوروبيًا بل عدم مطابقة المواصفات، خاصة في ما يتعلق بمواد التغليف.

الجودة أولًا
أوضح الخبير الاقتصادي أن الدول المتقدمة تضع صحة شعوبها في المقام الأول، ومن حقها رفض أي منتج لا يلتزم بالمعايير البيئية أو الصحية، معتبرًا أن اتهامها بالمؤامرة هروب من مسولية التطوير.

التحدي الكربوني
وفيما يتعلق بشهادة الانبعاثات الكربونية، شدد عبده على ضرورة استيعابها وتطبيق ضرائب الكربون بالمثل، منتقدًا خطاب «المؤامرة الكونية»، ومشيرًا إلى تجارب دول مثل تركيا وفيتنام التي نجحت عبر التكيف مع القواعد العالمية.

مؤكداً أن الانبعاثات الكربونية أصبحت عنصرًا حاسمًا في التجارة الدولية، ومع توجه الاتحاد الأوروبي لفرض ضرائب الكربون، يواجه المصدرون تحديًا يتمثل في ارتفاع التكاليف وتراجع القدرة التنافسية.

أكثر من مجرد بيئة
وأوضح أن CBAM تمثل مزيجًا بين الالتزام المناخي وحماية الصناعة الأوروبية، ما يعيد صياغة العقود التجارية وفق معيارين: اقتصادي وبيئي.

وأشار إلى أن التطبيق بدأ فعليًا مع مطلع 2026، مؤكدًا أن الاستعداد يتطلب استراتيجية تشمل القياس، التخطيط، الخفض، التوثيق، والتأهيل الفني.

روشتة النجاح
واختتم الخبير الاقتصادي بالتأكيد على أهمية الاستعانة بالخبرات الدولية ونقل المعرفة بدلًا من الانغلاق، مشيرًا إلى أن العالم لا يعترف إلا بالالتزام بالمعايير، وأن الإرادة هي الفارق الحقيقي بين التقدم والتأخر.


 

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية