تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
قد يظن كثير من الأزواج أن الخلافات اليومية تنتهي بمجرد انتهاء النقاش، لكن الحقيقة أن أكثر المتأثرين بها قد يكونون أولئك الذين لا يشاركون فيها أصلًا، فالطفل الذي يشاهد الصراخ أو الإهانة أو يعيش في أجواء يسودها التوتر المستمر، يحمل داخله مشاعر خوف وقلق قد تلازمه لسنوات، وتنعكس على ثقته بنفسه وسلوكه وعلاقاته بالآخرين.
وبينما تُعد الخلافات الزوجية أمرًا طبيعيًا في أي علاقة، يؤكد المتخصصون أن طريقة إدارتها هي التي تحدد ما إذا كانت مجرد خلاف عابر، أم تجربة مؤلمة تترك ندوبًا نفسية عميقة في نفوس الأبناء.
إنذارات مبكرة
يقول الدكتور على النبوى، استشاري الطب النفسي، إن الطفل لا يحتاج إلى فهم تفاصيل الخلافات الزوجية حتى يتأثر بها، فمجرد رؤية التوتر بين الوالدين أو سماع الصراخ ونبرة الغضب المتكررة يكفي لإثارة مشاعر الخوف والقلق داخله، فالطفل ينظر إلى المنزل باعتباره مصدر الأمان الأول، وعندما يشعر بأن هذا الأمان مهدد، يبدأ في إظهار ردود فعل نفسية وسلوكية قد تختلف من طفل لآخر بحسب عمره وطبيعته الشخصية.
ويضيف أن آثار الخلافات الزوجية قد تظهر في صورة الحزن المستمر، والخوف وانعدام الشعور بالأمان، والعصبية وسرعة الغضب، والعناد والتمرد، والميل إلى العزلة، والكذب أو السلوك العدواني، إلى جانب ضعف التركيز، وتراجع التحصيل الدراسي، واضطرابات النوم، وقد تمتد لدى بعض الأطفال إلى التبول اللاإرادي أو التعلق الزائد بأحد الوالدين، خاصة في المراحل العمرية المبكرة.
ويلفت إلى أن هذه المؤشرات قد تبدو بسيطة في بدايتها، لكنها إذا استمرت لفترات طويلة دون احتواء أو دعم نفسي وأسري، فقد تؤثر في ثقة الطفل بنفسه، وقدرته على تكوين علاقات صحية في المستقبل.
ويؤكد د. النبوي أن تأثير التوتر الأسري لا يقتصر على الأطفال الأكبر سنًا، بل قد يمتد إلى الرضع أيضًا، إذ أظهرت أبحاث في مجال النمو المبكر أن الرضيع يتأثر بالأجواء الانفعالية داخل المنزل، وقد تظهر عليه علامات مثل اضطرابات النوم، وكثرة البكاء، وصعوبة التهدئة، نتيجة استشعاره لحالة التوتر لدى الوالدين.
ذكريات راسخة
ويشير استشاري الطب النفسي إلى أن أكثر أنماط الصراعات تأثيرًا في نفسية الطفل تشمل الإهانة والتجريح اللفظي، مثل السب أو التقليل من شأن أحد الوالدين أمام الأبناء، والعنف الجسدي الذي يُعد من أكثر المواقف المسببة للصدمات النفسية، إضافة إلى الخصام الطويل والتجاهل المستمر، الذي يخلق أجواءً من التوتر والغموض تجعل الطفل يشعر بأن أسرته مهددة بالانهيار.
ويضيف أن الطفل لا ينسى بسهولة هذه المشاهد، بل قد يحتفظ بها في ذاكرته لسنوات، وتنعكس لاحقًا على ثقته بنفسه، وشعوره بالأمان، وطريقته في التعبير عن مشاعره، بل وقد تؤثر في شكل علاقاته العاطفية والاجتماعية عندما يكبر، إذ يميل بعض الأطفال إلى تقليد ما شاهدوه داخل المنزل باعتباره النموذج الطبيعي للتعامل بين الزوجين.
تأثير ممتد
ويؤكد د. على أن آثار الصراعات الأسرية لا تتوقف عند الجانب النفسي، بل تمتد إلى الصحة الجسدية أيضًا، لأن التعرض المستمر للتوتر يؤدي إلى استجابة فسيولوجية داخل الجسم، تتمثل في زيادة إفراز هرمونات التوتر، وعلى رأسها هرمون الكورتيزول، وهو ما قد ينعكس سلبًا على صحة الطفل إذا استمرت هذه الحالة لفترات طويلة.
ويوضح أن الأطفال الذين يعيشون في أجواء أسرية مضطربة قد يعانون من الصداع المتكرر، وآلام المعدة، وضعف المناعة وكثرة الإصابة بالأمراض، واضطرابات التركيز والانتباه، وصعوبات التعلم، كما قد يفقد بعضهم الشهية أو يعاني اضطرابات في الشهية والنوم، وهي أعراض قد يظنها الأهل مشكلات صحية منفصلة، بينما يكون السبب الحقيقي هو الضغط النفسي المزمن.
ويشير إلى أن دراسات عديدة في مجال علم نفس الطفل أوضحت أن التعرض المستمر للصراعات الأسرية قد يؤثر في نمو الدماغ المسؤول عن تنظيم الانفعالات والانتباه، وهو ما يفسر معاناة بعض الأطفال من صعوبة التحكم في مشاعرهم أو التركيز داخل المدرسة.
عوامل مؤثرة
ويختتم د. على حديثه بالتأكيد على أن استجابة الأطفال للخلافات الزوجية ليست واحدة، بل تختلف تبعًا لعدة عوامل، في مقدمتها عمر الطفل، وشخصيته، وقدرته على التعامل مع الضغوط، وطبيعة علاقته بكل من الأب والأم، ومدى تكرار وحدة الخلافات، إضافة إلى الحالة النفسية للوالدين، ومدى شعور الطفل بوجود شخص بالغ يحتويه ويطمئنه بعد انتهاء الخلاف.
ويشدد على أن وجود علاقة آمنة وداعمة مع أحد الوالدين أو مع شخص مقرب داخل الأسرة قد يخفف كثيرًا من الآثار السلبية للخلافات، بينما يؤدي استمرار النزاعات دون احتواء أو اعتذار أو طمأنة إلى زيادة احتمالات تعرض الطفل لمشكلات نفسية وسلوكية قد تمتد آثارها إلى مرحلة البلوغ.
الترميم العاطفي
ومن زاوية أعمق، تُشرّح الدكتورة رانيا الشناوي، استشارية علم النفس الإكلينيكي وتعديل سلوك الطفل، الأثر البيولوجي والنفسي الممتد لهذه النزاعات، مؤكدة أن خطورة المشاهد المتكررة تكمن فيما يُعرف بـ "الصدمة التراكمية"، فالطفل لا يتأثر بموقف واحد عابر قدر تأثره بالتكرار والنمط المستمر الذي يعيد برمجة جهازه العصبي ليكون في حالة استنفار دائم وترقب للخطر، مما يولد لديه مستقبلاً ما يسمى بـ "فوبيا الارتباط والاستقرار" خوفاً من تكرار تجربة الوالدين.
وتوضح د. رانيا أن استجابة الأبناء تتباين جلياً وفقاً لمراحلهم العمرية؛ فالأطفال في سن رياض الأطفال (3-5 سنوات) غالباً ما يعبرون عن قلقهم عبر "الانتكاس السلوكي" مثل مص الأصابع أو التلعثم المفاجئ، بينما يميل الأطفال في سن المدرسة (6-12 سنة) إلى "شخصنة الخلاف" وتحمل شعور جارف بالذنب باعتقاد أنهم السبب وراء شجار والديهم، في حين ينعكس الأمر على المراهقين في صورة تمرد حاد أو هروب مفرط نحو العالم الرقمي.
وتلفت استشارية علم النفس الإكلينيكي الانتباه إلى خطورة دراسات علم الجينات الفوقية، التي تثبت أن الضغط النفسي المستمر في الطفولة المبكرة الناتجة عن الصراعات الوالدية يحدث تغييرات كيميائية في طريقة التعبير الجيني للطفل، مما يعيد تشكيل بيولوجيته ليكون أكثر عرضة للأمراض النفسية والجسدية عند البلوغ، كما تحذر من متلازمة "الطفل البالغ"، حيث يُجبر الطفل لا شعورياً على لعب دور "المُصلح الاجتماعي" أو الحَكم بين والديه، مما يسرق براءته ويحمله أعباءً عاطفية تفوق عمره بكثير، لينشأ برغبة مفرطة في إرضاء الآخرين على حساب نفسه.
ولمواجهة هذه المخاطر عند حدوث الشجار رغماً عن الوالدين، تضع د. رانيا الشناوي بروتوكولاً لـ "الإسعافات النفسية" ينقذ تماسك الطفل عبر ثلاث خطوات عملية:
أولاً: جلسة الترميم العاطفي والمكاشفة؛ بجلوس الوالدين معاً بعد هدوء الشجار مع الطفل لتفسير ما حدث بتبسيط يناسب عمره (مثل: "ماما وبابا اختلفا في الرأي وهذا طبيعي، لكننا ما زلنا نحترم بعضنا ونحبك جداً").
ثانياً: إغلاق ملف الخلاف بصرياً؛ عبر حرص الوالدين على أن يراهما الطفل يتحدثان بشكل طبيعي أو يتناولان الطعام معاً لاحقاً، ليتأكد بصرياً أن الأزمة انتهت وأن سقفه الآمن لم يتهدم.
ثالثاً: تفعيل الرصد المدرسي؛ عبر تنسيق الأهل مع المؤسسات التعليمية لتفعيل دور الإخصائيين الاجتماعيين والنفسيين في رصد أي علامات تحذيرية وسلوكية مفاجئة على الطالب لتقديم الدعم المبكر.
خلاف بنّاء
يقول الدكتور عماد عبد الله، استشاري العلاقات الزوجية والأسرية، إن الخلاف بين الزوجين ليس دليلًا على فشل العلاقة، بل يعد أمرًا طبيعيًا يحدث داخل أي أسرة، إلا أن الفارق الحقيقي يكمن في الطريقة التي يُدار بها هذا الخلاف، فالطفل يتعلم من والديه طوال الوقت، ولا يكتسب القيم من الكلمات فقط، وإنما من السلوك الذي يراه أمامه يوميًا.
ويضيف أن الخلاف الهادئ القائم على الاحترام والاستماع للطرف الآخر قد يتحول إلى تجربة تربوية إيجابية، إذ يمنح الطفل نموذجًا عمليًا لكيفية إدارة الاختلاف دون إساءة أو عنف، ويغرس لديه مفهوم أن المشكلات لا تعني نهاية العلاقة، وإنما يمكن تجاوزها بالحوار والتفاهم.
ويؤكد أن الطفل الذي يشاهد والديه يختلفان ثم يعتذران لبعضهما البعض ويتوصلان إلى حل يكتسب بصورة تلقائية مهارات حياتية مهمة، من بينها أهمية الحوار، واحترام الرأي الآخر، والقدرة على حل المشكلات، والتعبير الصحي عن المشاعر، وضبط الانفعالات، وتقبل الاختلاف، وهي مهارات تنعكس لاحقًا على علاقاته الاجتماعية والزوجية عندما ويكبر.
قرار صعب
ويشير استشاري العلاقات الزوجية إلى أن بقاء الوالدين معًا ليس الهدف في حد ذاته، وإنما الأهم هو جودة البيئة الأسرية التي ينشأ فيها الطفل، فإذا تحولت الحياة داخل المنزل إلى دائرة متواصلة من الصراعات والإهانات أو العنف، فإن استمرار هذا الوضع قد يكون أكثر ضررًا على الأبناء من الانفصال الذي يتم باحترام وتعاون في تربية الأطفال.
ويضيف أن الطفل يحتاج إلى الشعور بالأمان والاستقرار أكثر من حاجته إلى وجود الوالدين تحت سقف واحد، ولذلك فإن الانفصال المنظم، الذي يحافظ فيه الأب والأم على علاقة محترمة بعيدًا عن النزاعات، قد يكون الخيار الأقل ضررًا في بعض الحالات.
وتؤكد الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال (AAP) أن مستوى الصراع بين الوالدين يعد من أهم العوامل المؤثرة في الصحة النفسية للأطفال، وأن الأبناء يتكيفون بصورة أفضل عندما يعيشون في بيئة هادئة ومستقرة، حتى وإن كان الوالدان منفصلين، مقارنة بالعيش وسط نزاعات أسرية مزمنة.
خطوات وقائية
ويقدم د. عماد مجموعة من النصائح لحماية الأطفال من الآثار السلبية للخلافات الزوجية، في مقدمتها تجنب الشجار أمام الأبناء قدر الإمكان، وعدم مطالبتهم بالانحياز إلى أحد الوالدين، مع طمأنتهم باستمرار بأنهم ليسوا سببًا في الخلاف، وأن حب والديهم لهم لن يتغير.
كما يشدد على أهمية الحفاظ على الاحترام المتبادل أمام الأطفال، واختيار وقت ومكان مناسبين لمناقشة المشكلات بعيدًا عنهم، والحرص على إنهاء الخلافات بصورة هادئة، مع تجنب استخدام الأبناء كوسيلة للضغط أو نقل الرسائل بين الطرفين.
ويختتم حديثه بالتأكيد على أن اللجوء إلى الإرشاد الأسري أو العلاج النفسي عند تفاقم الخلافات يعد خطوة إيجابية لحماية الأسرة، وليس اعترافًا بالفشل، لأن التدخل المبكر يساعد على تقليل الآثار النفسية على الأطفال، ويحافظ على شعورهم بالأمان والاستقرار.
وبينما تُعد الخلافات الزوجية أمرًا طبيعيًا في أي علاقة، يؤكد المتخصصون أن طريقة إدارتها هي التي تحدد ما إذا كانت مجرد خلاف عابر، أم تجربة مؤلمة تترك ندوبًا نفسية عميقة في نفوس الأبناء.
إنذارات مبكرة
يقول الدكتور على النبوى، استشاري الطب النفسي، إن الطفل لا يحتاج إلى فهم تفاصيل الخلافات الزوجية حتى يتأثر بها، فمجرد رؤية التوتر بين الوالدين أو سماع الصراخ ونبرة الغضب المتكررة يكفي لإثارة مشاعر الخوف والقلق داخله، فالطفل ينظر إلى المنزل باعتباره مصدر الأمان الأول، وعندما يشعر بأن هذا الأمان مهدد، يبدأ في إظهار ردود فعل نفسية وسلوكية قد تختلف من طفل لآخر بحسب عمره وطبيعته الشخصية.
ويضيف أن آثار الخلافات الزوجية قد تظهر في صورة الحزن المستمر، والخوف وانعدام الشعور بالأمان، والعصبية وسرعة الغضب، والعناد والتمرد، والميل إلى العزلة، والكذب أو السلوك العدواني، إلى جانب ضعف التركيز، وتراجع التحصيل الدراسي، واضطرابات النوم، وقد تمتد لدى بعض الأطفال إلى التبول اللاإرادي أو التعلق الزائد بأحد الوالدين، خاصة في المراحل العمرية المبكرة.
ويلفت إلى أن هذه المؤشرات قد تبدو بسيطة في بدايتها، لكنها إذا استمرت لفترات طويلة دون احتواء أو دعم نفسي وأسري، فقد تؤثر في ثقة الطفل بنفسه، وقدرته على تكوين علاقات صحية في المستقبل.
ويؤكد د. النبوي أن تأثير التوتر الأسري لا يقتصر على الأطفال الأكبر سنًا، بل قد يمتد إلى الرضع أيضًا، إذ أظهرت أبحاث في مجال النمو المبكر أن الرضيع يتأثر بالأجواء الانفعالية داخل المنزل، وقد تظهر عليه علامات مثل اضطرابات النوم، وكثرة البكاء، وصعوبة التهدئة، نتيجة استشعاره لحالة التوتر لدى الوالدين.
ذكريات راسخة
ويشير استشاري الطب النفسي إلى أن أكثر أنماط الصراعات تأثيرًا في نفسية الطفل تشمل الإهانة والتجريح اللفظي، مثل السب أو التقليل من شأن أحد الوالدين أمام الأبناء، والعنف الجسدي الذي يُعد من أكثر المواقف المسببة للصدمات النفسية، إضافة إلى الخصام الطويل والتجاهل المستمر، الذي يخلق أجواءً من التوتر والغموض تجعل الطفل يشعر بأن أسرته مهددة بالانهيار.
ويضيف أن الطفل لا ينسى بسهولة هذه المشاهد، بل قد يحتفظ بها في ذاكرته لسنوات، وتنعكس لاحقًا على ثقته بنفسه، وشعوره بالأمان، وطريقته في التعبير عن مشاعره، بل وقد تؤثر في شكل علاقاته العاطفية والاجتماعية عندما يكبر، إذ يميل بعض الأطفال إلى تقليد ما شاهدوه داخل المنزل باعتباره النموذج الطبيعي للتعامل بين الزوجين.
تأثير ممتد
ويؤكد د. على أن آثار الصراعات الأسرية لا تتوقف عند الجانب النفسي، بل تمتد إلى الصحة الجسدية أيضًا، لأن التعرض المستمر للتوتر يؤدي إلى استجابة فسيولوجية داخل الجسم، تتمثل في زيادة إفراز هرمونات التوتر، وعلى رأسها هرمون الكورتيزول، وهو ما قد ينعكس سلبًا على صحة الطفل إذا استمرت هذه الحالة لفترات طويلة.
ويوضح أن الأطفال الذين يعيشون في أجواء أسرية مضطربة قد يعانون من الصداع المتكرر، وآلام المعدة، وضعف المناعة وكثرة الإصابة بالأمراض، واضطرابات التركيز والانتباه، وصعوبات التعلم، كما قد يفقد بعضهم الشهية أو يعاني اضطرابات في الشهية والنوم، وهي أعراض قد يظنها الأهل مشكلات صحية منفصلة، بينما يكون السبب الحقيقي هو الضغط النفسي المزمن.
ويشير إلى أن دراسات عديدة في مجال علم نفس الطفل أوضحت أن التعرض المستمر للصراعات الأسرية قد يؤثر في نمو الدماغ المسؤول عن تنظيم الانفعالات والانتباه، وهو ما يفسر معاناة بعض الأطفال من صعوبة التحكم في مشاعرهم أو التركيز داخل المدرسة.
عوامل مؤثرة
ويختتم د. على حديثه بالتأكيد على أن استجابة الأطفال للخلافات الزوجية ليست واحدة، بل تختلف تبعًا لعدة عوامل، في مقدمتها عمر الطفل، وشخصيته، وقدرته على التعامل مع الضغوط، وطبيعة علاقته بكل من الأب والأم، ومدى تكرار وحدة الخلافات، إضافة إلى الحالة النفسية للوالدين، ومدى شعور الطفل بوجود شخص بالغ يحتويه ويطمئنه بعد انتهاء الخلاف.
ويشدد على أن وجود علاقة آمنة وداعمة مع أحد الوالدين أو مع شخص مقرب داخل الأسرة قد يخفف كثيرًا من الآثار السلبية للخلافات، بينما يؤدي استمرار النزاعات دون احتواء أو اعتذار أو طمأنة إلى زيادة احتمالات تعرض الطفل لمشكلات نفسية وسلوكية قد تمتد آثارها إلى مرحلة البلوغ.
الترميم العاطفي
ومن زاوية أعمق، تُشرّح الدكتورة رانيا الشناوي، استشارية علم النفس الإكلينيكي وتعديل سلوك الطفل، الأثر البيولوجي والنفسي الممتد لهذه النزاعات، مؤكدة أن خطورة المشاهد المتكررة تكمن فيما يُعرف بـ "الصدمة التراكمية"، فالطفل لا يتأثر بموقف واحد عابر قدر تأثره بالتكرار والنمط المستمر الذي يعيد برمجة جهازه العصبي ليكون في حالة استنفار دائم وترقب للخطر، مما يولد لديه مستقبلاً ما يسمى بـ "فوبيا الارتباط والاستقرار" خوفاً من تكرار تجربة الوالدين.
وتوضح د. رانيا أن استجابة الأبناء تتباين جلياً وفقاً لمراحلهم العمرية؛ فالأطفال في سن رياض الأطفال (3-5 سنوات) غالباً ما يعبرون عن قلقهم عبر "الانتكاس السلوكي" مثل مص الأصابع أو التلعثم المفاجئ، بينما يميل الأطفال في سن المدرسة (6-12 سنة) إلى "شخصنة الخلاف" وتحمل شعور جارف بالذنب باعتقاد أنهم السبب وراء شجار والديهم، في حين ينعكس الأمر على المراهقين في صورة تمرد حاد أو هروب مفرط نحو العالم الرقمي.
وتلفت استشارية علم النفس الإكلينيكي الانتباه إلى خطورة دراسات علم الجينات الفوقية، التي تثبت أن الضغط النفسي المستمر في الطفولة المبكرة الناتجة عن الصراعات الوالدية يحدث تغييرات كيميائية في طريقة التعبير الجيني للطفل، مما يعيد تشكيل بيولوجيته ليكون أكثر عرضة للأمراض النفسية والجسدية عند البلوغ، كما تحذر من متلازمة "الطفل البالغ"، حيث يُجبر الطفل لا شعورياً على لعب دور "المُصلح الاجتماعي" أو الحَكم بين والديه، مما يسرق براءته ويحمله أعباءً عاطفية تفوق عمره بكثير، لينشأ برغبة مفرطة في إرضاء الآخرين على حساب نفسه.
ولمواجهة هذه المخاطر عند حدوث الشجار رغماً عن الوالدين، تضع د. رانيا الشناوي بروتوكولاً لـ "الإسعافات النفسية" ينقذ تماسك الطفل عبر ثلاث خطوات عملية:
أولاً: جلسة الترميم العاطفي والمكاشفة؛ بجلوس الوالدين معاً بعد هدوء الشجار مع الطفل لتفسير ما حدث بتبسيط يناسب عمره (مثل: "ماما وبابا اختلفا في الرأي وهذا طبيعي، لكننا ما زلنا نحترم بعضنا ونحبك جداً").
ثانياً: إغلاق ملف الخلاف بصرياً؛ عبر حرص الوالدين على أن يراهما الطفل يتحدثان بشكل طبيعي أو يتناولان الطعام معاً لاحقاً، ليتأكد بصرياً أن الأزمة انتهت وأن سقفه الآمن لم يتهدم.
ثالثاً: تفعيل الرصد المدرسي؛ عبر تنسيق الأهل مع المؤسسات التعليمية لتفعيل دور الإخصائيين الاجتماعيين والنفسيين في رصد أي علامات تحذيرية وسلوكية مفاجئة على الطالب لتقديم الدعم المبكر.
خلاف بنّاء
يقول الدكتور عماد عبد الله، استشاري العلاقات الزوجية والأسرية، إن الخلاف بين الزوجين ليس دليلًا على فشل العلاقة، بل يعد أمرًا طبيعيًا يحدث داخل أي أسرة، إلا أن الفارق الحقيقي يكمن في الطريقة التي يُدار بها هذا الخلاف، فالطفل يتعلم من والديه طوال الوقت، ولا يكتسب القيم من الكلمات فقط، وإنما من السلوك الذي يراه أمامه يوميًا.
ويضيف أن الخلاف الهادئ القائم على الاحترام والاستماع للطرف الآخر قد يتحول إلى تجربة تربوية إيجابية، إذ يمنح الطفل نموذجًا عمليًا لكيفية إدارة الاختلاف دون إساءة أو عنف، ويغرس لديه مفهوم أن المشكلات لا تعني نهاية العلاقة، وإنما يمكن تجاوزها بالحوار والتفاهم.
ويؤكد أن الطفل الذي يشاهد والديه يختلفان ثم يعتذران لبعضهما البعض ويتوصلان إلى حل يكتسب بصورة تلقائية مهارات حياتية مهمة، من بينها أهمية الحوار، واحترام الرأي الآخر، والقدرة على حل المشكلات، والتعبير الصحي عن المشاعر، وضبط الانفعالات، وتقبل الاختلاف، وهي مهارات تنعكس لاحقًا على علاقاته الاجتماعية والزوجية عندما ويكبر.
قرار صعب
ويشير استشاري العلاقات الزوجية إلى أن بقاء الوالدين معًا ليس الهدف في حد ذاته، وإنما الأهم هو جودة البيئة الأسرية التي ينشأ فيها الطفل، فإذا تحولت الحياة داخل المنزل إلى دائرة متواصلة من الصراعات والإهانات أو العنف، فإن استمرار هذا الوضع قد يكون أكثر ضررًا على الأبناء من الانفصال الذي يتم باحترام وتعاون في تربية الأطفال.
ويضيف أن الطفل يحتاج إلى الشعور بالأمان والاستقرار أكثر من حاجته إلى وجود الوالدين تحت سقف واحد، ولذلك فإن الانفصال المنظم، الذي يحافظ فيه الأب والأم على علاقة محترمة بعيدًا عن النزاعات، قد يكون الخيار الأقل ضررًا في بعض الحالات.
وتؤكد الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال (AAP) أن مستوى الصراع بين الوالدين يعد من أهم العوامل المؤثرة في الصحة النفسية للأطفال، وأن الأبناء يتكيفون بصورة أفضل عندما يعيشون في بيئة هادئة ومستقرة، حتى وإن كان الوالدان منفصلين، مقارنة بالعيش وسط نزاعات أسرية مزمنة.
خطوات وقائية
ويقدم د. عماد مجموعة من النصائح لحماية الأطفال من الآثار السلبية للخلافات الزوجية، في مقدمتها تجنب الشجار أمام الأبناء قدر الإمكان، وعدم مطالبتهم بالانحياز إلى أحد الوالدين، مع طمأنتهم باستمرار بأنهم ليسوا سببًا في الخلاف، وأن حب والديهم لهم لن يتغير.
كما يشدد على أهمية الحفاظ على الاحترام المتبادل أمام الأطفال، واختيار وقت ومكان مناسبين لمناقشة المشكلات بعيدًا عنهم، والحرص على إنهاء الخلافات بصورة هادئة، مع تجنب استخدام الأبناء كوسيلة للضغط أو نقل الرسائل بين الطرفين.
ويختتم حديثه بالتأكيد على أن اللجوء إلى الإرشاد الأسري أو العلاج النفسي عند تفاقم الخلافات يعد خطوة إيجابية لحماية الأسرة، وليس اعترافًا بالفشل، لأن التدخل المبكر يساعد على تقليل الآثار النفسية على الأطفال، ويحافظ على شعورهم بالأمان والاستقرار.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية